وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا مَأْثَمٌ ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُدْعَى الشَّاهِدُ إِلَى مَا يَضُرُّ بِبَدَنِهِ مِنْ سَفَرٍ . وَالثَّانِي: إِلَى مَا يَضُرُّ بِدُنْيَاهُ مِنِ انْقِطَاعٍ عَنْ مَكْسَبٍ ، فَالْمَأْثَمُ هَاهُنَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الطَّالِبِ إِنْ أَلْزَمَ ، وَلَا يَتَوَجَّهُ إِنْ سَأَلَ ، وَلَكَ هَذَا فَضْلُ الْأَجْرِ إِنْ أَجَابَ ، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْإِجَابَةُ بِالْمُضَارَّةِ . وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمُضَارَّةُ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضُرَّ الشَّاهِدُ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ . وَالثَّانِي: أَنْ يَضُرَّ بِتَغْيِيرِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ ، فَيَكُونُ بِالتَّوَقُّفِ آثِمًا ، وَبِالتَّغْيِيرِ مَعَ الْمَأْثَمِ كَاذِبًا ، وَفِسْقُهُ بِالْكَذِبِ مَقْطُوعٌ بِهِ ، لِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَفِسْقُهُ بِالْمَأْثَمِ مُعْتَبَرٌ بِدُخُولِهِ فِي الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ بِحَسَبِ الْحَالِ . فَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّغَائِرِ لَمْ يُفَسَّقْ ، وَإِنْ دَخَلَ فِي الْكَبَائِرِ فُسِّقَ بِهِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْأَعْذَارُ فَيَسْتَبِيحُ بِهَا الشَّاهِدُ تَأْخِيرَ الشَّهَادَةِ أعذارها ، سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ ، وَلَا يَسْتَبِيحُ بِهَا تَغَيُّرَ الشَّهَادَةِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ . فَأَمَّا الْأَعْذَارُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِبَدَنِهِ للشاهد في تأخير الشهادة فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِعَجْزٍ دَاخِلٍ . وَالثَّانِي: لِمَشَقَّةٍ دَاخِلَةٍ لَاحِقَةٍ . فَأَمَّا الْعَجْزُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا يَعْجِزُ عَنِ الْحَرَكَةِ ، فَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْحَاكِمِ كَانَ مَعْذُورًا فِي التَّأَخُّرِ ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ الْحَاكِمُ لَمْ يُعْذَرْ فِي التَّوَقُّفِ عَنْهَا . وَأَمَّا الْمَشَقَّةُ فَضَرْبَانِ: حَظْرٌ ، وَأَذًى . فَأَمَّا الْحَظْرُ فَهُوَ أَنْ يَخَافَ مِنْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ، أَوْ مِنْ عَدْوٍ قَاهِرٍ أَوْ مِنْ فِتْنَةٍ عَامَّةٍ ، فَيَسْقُطُ مَعَهُ فَرْضُ الْإِجَابَةِ مَعَ بَقَاءِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ حَتَّى تَزُولَ ، فَتَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ . وَأَمَّا الْأَذَى: فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُتَوَقَّعُ زَوَالُهُ . وَهُوَ أَنْ يُدْعَى فِي حَرٍّ شَدِيدٍ ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ ، أَوْ مَطَرٍ جُودٍ فَمَا كَانَ هَذَا الْأَذَى بَاقِيًا فَفَرْضُ الْإِجَابَةِ سَاقِطٌ . فَإِذَا زَالَ وَجَبَتِ الْإِجَابَةُ .