فهرس الكتاب

الصفحة 7807 من 8432

قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ حَبْسَ الْيَمِينِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي جَارِيَتَيْنِ ضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ، فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَحْبِسَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ أَقْرَأَ عَلَيْهِمَا: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [ آلِ عِمْرَانَ: ] . فَفَعَلْتُ ، فَاعْتَرَفَتْ . وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَأَى قَوْمًا يَحْلِفُونَ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ ، فَقَالَ: أَعْلَى دَمٍ ؟ قَالُوا: لَا ، قَالَ: أَفَعَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ ؟ قَالُوا: لَا . قَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَهْزَأَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ فِيهِ عَلَى الدَّمِ ، وَعَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ ، فَهَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ قَوْلًا وَعَمَلًا ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُمْ فِيهِ مُخَالِفٌ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ ، فَإِنْ قِيلَ: امْتِنَاعُ زَيْدٍ مِنَ الْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ ، وَارْتِفَاعِ الْإِجْمَاعِ ، قِيلَ: لَمْ يَمْتَنِعْ إِلَّا لِلتَّوَقِّي دُونَ الْخِلَافِ ، وَلَوْ لَمْ يَرَهُ جَائِزًا لَأَنْكَرَهُ عَلَى مَرْوَانَ ، فَقَدْ كَانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ أَفْعَالِهِ ، فَيُطِيعُهُ مَرْوَانُ ، حَتَّى قَالَ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ بِمَشْهَدِ الْمَلَأِ: إِنَّكَ أَحْلَلْتَ الرِّبَا ، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَعَاذَ اللَّهِ ، فَقَالَ زَيْدٌ: إِنَّ النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ الْأَمْلَاكَ بِالصُّكُوكِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُوا ، فَوَجَّهَ مَرْوَانُ مُسْرِعًا ، فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ طَاعَةً لِزَيْدٍ . وَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ: إِنَّهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَيْمَانِ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ مِنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، وَعَدَيِّ بْنِ زَيْدٍ . أَوْ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ ، وَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ أَزْجَرُ ، كَانَ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْأَيْمَانِ أَجْدَرَ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ تَغْلِيظُهَا بِالْعَدَدِ وَاللَّفْظِ ، جَازَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ وُجُوبُ الْيَمِينِ دُونَ صِفَتِهَا ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اعْتِبَارِهِمْ بِالْبَيِّنَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَشْهَدُ بِحَقٍّ لَهَا ، فَارْتَفَعَتِ التُّهْمَةُ عَنْهَا ، فَاسْتَغْنَتْ عَنِ الزَّجْرِ ، وَالْحَالِفُ يُثْبِتُ حَقًّا لِنَفْسِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ زَجْرَ الْبَيِّنَةِ يُفْضِي إِلَى تَوَقُّفِهَا عَنْ مَا لَزِمَهَا مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، وَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ يُخَالِفُ بِهَا حُكْمَ الْحَالِفِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِمْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَلِيلَ يُكْتَفَى فِي الزَّجْرِ عَنْهُ بِالْيَمِينِ ، وَالْكَثِيرُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْيَمِينِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَزْجُرُ عَنِ الْكَثِيرِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت