فهرس الكتاب

الصفحة 7808 من 8432

وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، وَقَطْعِ السَّرِقَةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي التَّغْلِيظِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّغْلِيظِ فِي الْأَيْمَانِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ ، وَلَيْسَ بِمُسْتَبْدَعٍ ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُسْتَبْدَعٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ ، وَعَلَيْهِ وَقَعَ الْخِلَافُ . وَالْكَلَامُ فِي التَّغْلِيظِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جِنْسُ مَا تُغَلَّظُ فِيهِ الْأَيْمَانُ مِنَ الْحُقُوقِ . وَالثَّانِي: صِفَةُ التَّغْلِيظِ بِمَكَانِهِ وَزَمَانِهِ . فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِيمَا تُغَلَّظُ فِيهِ الْأَيْمَانُ مِنَ الْحُقُوقِ ، فَفِيهِ لِلْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ حُكَّامِ الْحِجَازِ ، وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: أَنَّهَا تُغَلَّظُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْيَمِينِ ، كَالْبَيِّنَةِ الَّتِي يَسْتَوِي حُكْمُهَا فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ . وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهَا تُغَلَّظُ فِيمَا يُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ ، وَلَا تُغَلَّظُ فِيمَا لَا يُقْطَعُ فِيهِ ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"لَمْ تَكُنِ الْيَدُ لِتُقْطَعَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ". تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تُقْطَعُ فِيهِ لَيْسَ بِتَافِهٍ ، فَكَانَ كَثِيرًا . وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ مَا خَرَجَ عَنِ الْأَمْوَالِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَالطَّلَاقِ ، فَالْأَيْمَانُ فِيهِ مُغَلَّظَةٌ ، فِيمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ، وَمَا ثَبَتَ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ مِنَ الْأَمْوَالِ ، فَتُغَلَّظُ الْأَيْمَانُ فِي كَثِيرِهِ دُونَ قَلِيلِهِ ، وَكَثِيرُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا: لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، حِينَ مَرَّ بِقَوْمٍ يَحْلِفُونَ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ ، فَقَالَ: أَعْلَى دَمٍ ؟ قَالُوا: لَا . قَالَ: أَفَعَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ ؟ قَالُوا: لَا . قَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ . فَعَقَلَ السَّامِعُونَ لِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعَظِيمِ مِنَ الْمَالِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ، فَصَارَ هَذَا الْمِقْدَارُ أَصْلًا فِي تَغْلِيظِ الْأَيْمَانِ . فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا جَعَلْتُمْ هَذَا قَدْرًا فِي التَّغْلِيظِ ، فَهَلَّا جَعَلْتُمُوهُ قَدْرًا فِي الْإِقْرَارِ إِذَا أَقَرَّ بِمَالٍ عَظِيمٍ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا ، وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مِنْهُ مَا قَلَّ وَكَثُرَ ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ فِي الْإِقْرَارِ مُتَرَدِّدُ الِاحْتِمَالِ بَيْنَ إِرَادَةِ الْقَدْرِ ، وَإِرَادَةِ الصِّفَةِ ، وَفِي التَّغْلِيظِ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا إِرَادَةَ الْقَدْرِ ، فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ قَدْرًا فِي التَّغْلِيظِ ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ . وَإِذَا كَانَ هَكَذَا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَقْدِيرِهِ بِالْعِشْرِينِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهَا نِصَابٌ فِي الزَّكَاةِ ، لِيَكُونَ الْمِقْدَارُ مُعْتَبَرًا بِأَصْلٍ مَشْرُوعٍ ، فَعَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت