قَالُوا: وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِثْبَاتِ ، وَالْيَمِينَ مَوْضُوعَةٌ لِلنَّفْيِ ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ بِالْبَيِّنَةِ إِلَى النَّفْيِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ بِالْيَمِينِ إِلَى الْإِثْبَاتِ . قَالُوا: وَلِأَنَّهَا قَوْلُ الْمُدَّعِي ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ كَالدَّعْوَى . قَالُوا: وَلِأَنَّهُ رَجَّحَ دَعْوَاهُ بِقَوْلِهِ ، فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ ، كَتَكْرِيرِ الدَّعْوَى .
فَصْلٌ: وَدَلِيلُنَا مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ [ الْمَائِدَةِ: ] . أَيْ: بَعْدَ الِامْتِنَاعِ مِنَ الْأَيْمَانِ الْوَاجِبَةِ ، فَدَلَّ عَلَى نَقْلِ الْأَيْمَانِ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ هل هو جائز ؟ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ طَلَبَ طَلَبَهُ بِغَيْرِ بَيَّنَةٍ ، فَالْمَطْلُوبُ أَوْلَى بِالْيَمِينِ مِنَ الْطَالِبِ". وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"الْمَطْلُوبُ أَوْلَى بِالْيَمِينِ مِنَ الطَّالِبِ . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ أَنْ"أَوْلَى". يُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي الِاشْتِرَاكِ فِيمَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أَفْقَهُ مِنْ عَمْرٍو ، إِذَا اشْتَرَكَا فِي الْفِقْهِ ، وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ . وَلَا يُقَالُ: زِيدٌ أَفْقَهُ فِيمَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ، إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ . فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلطَّالِبِ حَقٌّ فِي الْيَمِينِ لَمَا جُعِلَ الْمَطْلُوبُ أَوْلَى مِنْهُ ، فَيَكُونُ أَوْلَى فِي الِابْتِدَاءِ ، وَيُنْقَلُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ فِي الِانْتِهَاءِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ حَقٍّ ، وَهَذَا نَصٌّ ذَكَرَهُ أَبُو الْوَلِيدِ فِي الْمُخَرَّجِ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ فَيَ دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ:"تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبَكُمْ ؟ قَالُوا: لَا ، قَالَ: فَيُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا". فَدَلَّ هَذَا عَلَى نَقْلِ الْيَمِينِ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَاهُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَجْرَى فَرَسًا ، فَوَطِئَ عَلَى أُصْبُعِ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَتَأَلَّمَ مِنْهَا دَهْرًا ، ثُمَّ مَاتَ ، فَتَنَازَعُوا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ: تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ مَا مَاتَ مِنْهَا ، فَأَبَوْا ، فَقَالَ لِلْمُدَّعِينَ: احْلِفُوا أَنْتُمْ ، فَأَبَوْا . وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ فِي رَدِّ الْيَمِينِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا مُخَالِفٌ .