فهرس الكتاب

الصفحة 7840 من 8432

وَقَدْ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى عُمَرَ ، فَحَلَفَ ، وَاسْتَحَقَّ ، وَرُدَّتْ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَحَلَفَ . وَرُوِيَ أَنَّ الْمِقْدَادَ اقْتَرَضَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَالًا ، قَالَ عُثْمَانُ: هِيَ سَبْعَةُ آلَافٍ ، فَاعْتَرَفَ الْمِقْدَادُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، وَتَنَازَعَا إِلَى عُمَرَ ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ لِعُثْمَانَ: احْلِفْ إِنَّهَا سَبْعَةُ آلَافٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ أَنْصَفَكَ ، فَلَمْ يَحْلِفْ عُثْمَانُ ، فَلَمَّا وَلَّى الْمِقْدَادُ قَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَقْرَضْتُهُ سَبْعَةَ آلَافٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لِمَ لَمْ تَحْلِفْ قَبْلُ أَوْلَى ؟ فَقَالَ: وَمَا عَلَيَّ أَنْ أَحْلِفَ ، وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَأَرْضٌ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَسَمَاءٌ ، فَقَالَ عُثْمَانُ: خَشِيتُ أَنْ يُوافِقَ قَدَرَ بَلَاءٍ ، فَيُقَالَ: بِيَمِينِهِ . وَهَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي الصَّحَابَةِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمْ مُخَالِفٌ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ . فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا ، فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا ، فَتَرَافَعَا إِلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ لِلْبَائِعِ: احْلِفْ ، فَقَالَ: أَرُدُّ الْيَمِينَ ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قَالُونَ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ رُومِيَّةٌ قِيلَ: إِنْ مَعْنَاهَا جَيِّدٌ ، فَصَوَّبَ بِهَا امْتِنَاعَ شُرَيْحٍ مِنْ رَدِّ الْيَمِينِ ، فَصَارَ قَائِلًا بِهِ ، وَمَنَعَ هَذَا مِنِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ . قِيلَ: هَذِهِ كَلِمَةٌ لَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ مَعْنَاهَا ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ لُغَتِهِمْ ، وَلَوْ أَرَادَ مَا ذُكِرَ مِنْ مَعْنَاهَا: لَأَفْصَحَ بِهِ ، وَلَعَبَّرَ عَنْهُ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: قَالُونَ بِمَعْنَى جَيِّدٍ ، يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَا قَالَهُ شُرَيْحٌ جَيِّدٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَا قَالَهُ الْبَائِعُ جَيِّدٌ ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ ، مَا يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ إِجْمَاعٍ قَدِ انْتَفَى عَنْهُ الِاحْتِمَالُ .

فَصْلٌ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الِاعْتِبَارُ بِالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: امْتِنَاعُ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ . وَالثَّانِي: جَوَازُ رَدِّ الْيَمِينِ . فَأَمَّا امْتِنَاعُ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ فَدَلِيلُهُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنَّ إِثْبَاتَ الْحَقِّ لَا يَكُونُ بِنَفْيِهِ ، لِأَنَّهُ ضِدُّ مُوجِبِهِ ، وَمِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنَّ وُجُودَ الضِّدِّ نَافٍ لِحُكْمِهِ ، وَمُثْبِتٌ لِحُكْمِ ضِدِّهِ ، كَالْإِقْرَارِ لَا يُوجِبُ إِنْكَارًا كَذَلِكَ الْإِنْكَارُ لَا يُوجِبُ إِقْرَارًا ، وَيَجْرِي هَذَا الِاسْتِدْلَالُ قِيَاسًا ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِدْلَالُ أَصَحَّ أَنَّهُ إِنْكَارٌ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ حِكَمُ الْإِقْرَارِ ، كَالتَّكْذِيبِ لَا يَثْبُتُ بِهِ حَقُّ التَّصْدِيقِ . وَمِنْهَا أَنَّهُ نُكُولٌ عَنْ يَمِينٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهَا قَبُولُ الْحَقِّ كَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ . فَإِنْ قِيلَ: النُّكُولُ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا أَخَفُّ الْحُقُوقِ دُونَ أَغْلَظِهَا كَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ يَثْبُتُ بِهَا الْأَمْوَالُ ، وَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ . قِيلَ: إِنَّمَا ضَعُفَ الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ لِنَقْصِ النِّسَاءِ عَنْ كَمَالِ الرِّجَالِ ، وَالنَّاكِلُ عَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت