فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [ الشُّعَرَاءُ: ] . فَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: يُرِيدُ بِالشُّعَرَاءِ ، الَّذِينَ إِذَا قَالُوا كَذَبُوا وَإِذَا غَضِبُوا سَبُّوا . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: الشَّيَاطِينُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي: الْمُشْرِكُونَ ، قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ . وَالثَّالِثُ: السُّفَهَاءُ ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ . وَالرَّابِعُ: الرُّوَاةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ [ الشُّعَرَاءِ: ] . ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: فِي كُلِّ فَنٍّ مِنَ الْكَلَامِ يَأْخُذُونَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ ، قَالَهُ قُطْرُبٌ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَمْدَحَ قَوْمًا بِبَاطِلٍ ، وَيَذُمَّ قَوْمًا بِبَاطِلٍ ، قَالَ قَتَادَةُ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ [ الشُّعَرَاءِ: ] . يَعْنِي مَنْ كَذَبَ فِي مَدْحٍ أَوْ هِجَاءٍ . فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حَضَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَكَوْا وَقَالُوا: هَلَكْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ الشُّعَرَاءِ: ] . فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ: وَقَالَ: هُمْ أَنْتُمْ . وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي شِعْرِهِمْ . وَالثَّانِي: فِي كَلَامِهِمْ . وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا أَيْ: رَدُّوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا هَجَوْا بِهِ الْمُسْلِمِينَ ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمَذْمُومَ مِنَ الشِّعْرِ مَا فِيهِ مِنْ هَجْوٍ: وَالْهَجْوُ فِي الْكَلَامِ مَذْمُومٌ فَكَيْفَ فِي الشِّعْرِ ، وَلِأَنَّ الشِّعْرَ يَحْفَظُهُ نَظْمُهُ ، فَيَنْتَشِرُ وَيَبْقَى عَلَى الْأَعْصَارِ وَالدُّهُورِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَى يَرِيهِ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا"فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنَ الشِّعْرِ كَذِبًا وَفُحْشًا وَهِجَاءً . وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَنْقَطِعُ إِلَيْهِ وَيَتَشَاغَلُ عَنِ الْقُرْآنِ وَعُلُومِ الدِّينِ .