الشَّيْءُ فِي يَدَيْهِ أَقْوَى سَبَبَا ، فَهُوَ لَهُ لِفَضْلِ قُوَةِ سَبَبِهِ ، وَهَذَا مُعْتَدِلٌ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَالسُنَّةِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا دَابَّةً وَأَقَامَ كلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّتُهُ نَتَجَهَا ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ قَالَ وَسَوَاءٌ التَّدَاعِيَ وَالْبَيِّنَةِ فِي النِّتَاجِ وَغَيْرِهِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ مُجَرَّدَ الدَّعَاوَى فِي الْمُطَالَبَاتِ لَا يُحْكَمُ فِي فَصْلِهَا إِلَّا بِحُجَّةٍ تَقْتَرِنُ بِهَا ، فَحُجَّةُ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ عَلَى إِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ ، وَحَجَّةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ مَا أَنْكَرَهُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". وَرَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ وَائِلٍ ، عَنِ الْأَشْعَثِ ، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ يَهُودِيٍّ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي عَلَيْهَا ، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ ، فَقُلْتُ لَا . فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ . قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ ، فَيَذْهَبُ بِمَالِي ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [ آلِ عِمْرَانَ: ] ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْخَبَرِ حُجَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَرَوَى سِمَاكٌ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِي فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: أَرْضِي ، وَفِي يَدِي ازْرَعُهَا ، لَا حَقَ لَهُ فِيهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ ، قَالَ: لَا . فَقَالَ: لَكَ يَمِينُهُ . فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: إِنَّهُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ إِنَهُ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ"فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنَ الْيَمِينِ ، لِزَوَالِ التُّهْمَةِ عَنِ الْبَيِّنَةِ وَتَوَجُّهِهَا إِلَى الْيَمِينِ . وَجَنَبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقْوَى مِنْ جَنَبَةِ الْمُدَّعِي ، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إِنْ تَوَجَّهَتْ إِلَى مَا فِي يَدِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ ، وَإِنْ تَوَجَّهَتْ إِلَى دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ ، فَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، فَجُعِلَتْ أَقْوَى الْحُجَّتَيْنِ وَهِيَ الْبَيِّنَةُ فِي أَضْعَفِ الْجَنَبَتَيْنِ وَهِيَ الْمُدَّعِي ، وَجُعِلَتْ أَضْعَفَ الْحُجَّتَيْنِ وَهِيَ الْيَمِينُ فِي أَقْوَى الْجَنَبَتَيْنِ وَهِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، لِتَكُونَ قُوَّةُ الْحُجَّةِ جُبْرَانًا ، لِضَعْفِ الْجَنَبَةِ وَفِي الْجَنَبَةِ جُبْرَانًا لِضَعْفِ الْحُجَّةِ فَتَعَادَلَا فِي الضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ .
فَصْلٌ: وَإِذَا تَعَيَّنَ الْمُدَّعِي ، وَتَحَرَّرَتِ الدَّعْوَى ، سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، عَنِ الدَّعْوَى ، وَلَمْ يَسْأَلِ الْمُدَّعِيَ عَنِ الْبَيِّنَةِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَلَا يُحْوَجُ إِلَى