وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِمَا ، وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الثَّانِي أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنَ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ وَلَا فِي يَدِهِ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُنْتَزَعُ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَلَا تُسَلَّمُ إِلَى الثَّانِي لِأَنَّ الْبَيْعَ مُتَرَدِّدٌ ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَ مَا فِي مِلْكِهِ ، أَوْ مَا فِي يَدِهِ ، فَيَصِحُّ وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ وَلَا يَدِهِ ، فَيَبْطُلُ . فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ، وَرَفْعِ يَدِ الْأَوَّلِ ، بِمُجَوِّزٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ تُرْفَعُ وَتُسَلَّمُ الدَّارُ إِلَى الثَّانِي ابْتِيَاعًا مِنَ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي حَقِّهِ صَحِيحٌ إِنْ مَلَكَ ، وَلَا يَقْضِي بِهَا مِلْكُهُ لِلثَّانِي ، وَإِنْ قَضَى لَهُ بِابْتِيَاعِهَا مِنَ الْأَوَّلِ ، فَكَانَ لَهُ فِيهَا يَدٌ إِنْ نُوزِعَ فِيهَا ، تَرَجَّحَ بِيَدٍ لَا بِدَفْعِ بَيِّنَةِ الْمُنَازِعِ .
فَصْلٌ: وَإِذَا تَنَازَعَا دَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَةٍ ، فَإِنْ لَمْ تُجْعَلِ الشَّهَادَةُ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ مُوجِبَةٌ لِلْمِلْكِ ، وَبِقَدِيمِ الْيَدِ مُوجِبَةٌ لِلْيَدِ لَمْ يُحْكَمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَرَجَعَ إِلَى صَاحِبِ الْيَدِ فِي تَصْدِيقِهِمَا أَوْ تَكْذِيبِهِمَا وَإِنْ جُعِلَتِ الشَّهَادَةُ بِهِمَا مُوجِبَةً لِلْمِلْكِ وَالْيَدِ فِي الْحَالِ ، حُكِمَ بِالدَّارِ لِمَنْ أَقَامَ الشَّهَادَةَ بِقَدِيمِ الْمِلْكِ ، دُونَ مَنْ أَقَامَهَا بِقَدِيمِ الْيَدِ ، وَكَذَا لَوْ أَقَامَهَا بِيَدٍ فِي الْحَالِ ، لَأَنَّ الْمِلْكَ أَقْوَى مِنَ الْيَدِ ، فَلِذَلِكَ حُكِمَ بِهِ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ فِي يَدَيْ ثَلَاثَةٍ ، فَادَّعَى أَحَدُهُمُ النِّصْفَ ، وَالْآخَرُ الثُّلُثَ ، وَآخَرُ السُّدُسَ ، وَجَحَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَهِيَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي أَيْدِيِهِمْ ثُلُثًا ثُلُثًا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي دَارٍ فِي أَيْدِي ثَلَاثَةٍ تَدَاعَوْهَا ، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ نِصْفَهَا مِلْكًا ، وَبَاقِيهَا يَدًا بِإِجَارَةٍ مِنْ مَالِكٍ غَائِبٍ ، أَوْ عَارِيَةٍ ، أَوْ وَدِيعَةٍ ، وَأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهَا لِهَذَيْنِ وَلَا يَدَ حَقٍّ ، وَادَّعَى الثَّانِي ثُلُثُهَا مِلْكًا وَبَاقِيهَا يَدًا بِإِجَارَةٍ ، أَوْ عَارِيَةٍ ، أَوْ وَدِيعَةٍ لِغَائِبٍ ، وَأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهَا لِهَذَيْنِ وَلَا يَدَ لِحَقٍّ . وَادَّعَى الثَّالِثُ سُدُسُهَا مِلْكًا وَبَاقِيهَا يَدًا بِإِجَارَةٍ ، أَوْ عَارِيَةٍ ، أَوْ وَدِيعَةٍ لِغَائِبٍ ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهَا لِهَذَيْنِ ، وَلَا يَدَ بِحَقٍّ ، وَأَنَّهَا كَانَتْ مُتَأَوِّلَةً عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ"وَجَحَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا"، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْبَاقِي يَدًا لَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ تَجَاحُدٌ ، وَلَكَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ مِلْكًا ، وَلَكَانَ لِصَاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا بِيَدِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَاضِرَيْنِ مَنْ يَدَّعِيهِ مِلْكًا ،