وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى ، هُوَ أَنَّ الْحَادِثَةَ فِي الشَّرْعِ ، إِذَا تَجَاذَبَهَا أَصْلَانِ ، حَاظِرٌ ، وَمُبِيحٌ ، لَمْ تُرَدَّ إِلَيْهَا ، وَرُدَّتْ إِلَى أَقْوَاهُمَا شَبَهًا بِهَا ، كَذَلِكَ فِي اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى إِبْطَالِ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ يَأْتِي فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى [ الْحُجُرَاتِ: ] . وَهَذَا خِطَابٌ لِجَمِيعِهِمْ فَدَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ خَلْقِ أَحَدِهِمْ مِنْ ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى ، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ ) [ الْإِنْسَانِ: ] . فَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ نُطْفَتَيْنِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنْ لَيْسَ فِي سَالِفِ الْأُمَمِ وَحَدِيثِهَا ، وَلَا جَاهِلِيَّةٍ ، وَلَا إِسْلَامٍ ، أَنْ نَسَبُوا أَحَدًا فِي أَعْصَارِهِمْ ، إِلَى أَبَوَيْنِ ، وَفِي إِلْحَاقِهِ بِاثْنَيْنِ خَرْقُ الْعَادَاتِ ، وَفِي خَرْقِهَا إِبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ ، وَمَا أَفْضَى إِلَى إِبْطَالِهَا ، بَطَلَ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يُبْطِلْهَا وَالْقِيَاسُ ، هُوَ أَنَّهُمَا شَخْصَانِ ، لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى وَطْءِ وَاحِدٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلْحَقَ الْوَلَدُ بِهِمَا كَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ ، وَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَمْتَنِعُ مِنْ إِلْحَاقِهِ بِهِمَا ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الْوَطْءِ فَيُلْحِقُهُ بِالْحُرِّ دُونَ الْعَبْدِ ، وَالْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ ، وَالدَّلِيلِ عَلَى إِبْطَالِ خَلْقِهِ مِنْ مَاءَيْنِ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أُمَمُ الطِّبِّ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ ، أَنَّ عُلُوقَ الْوَلَدِ يَكُونُ حِينَ يَمْتَزِجُ مَاءُ الرَّجُلِ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ ، ثُمَّ تَنْطَبِقُ الرَّحِمُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ الِامْتِزَاجِ ، فَيَنْعَقِدُ عُلُوقُهُ لِوَقْتِهِ ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ ، مِنْ ذَلِكَ الْوَاطِئِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ) يَعْنِي أَصْلَابَ الرِّجَالِ ، وَتَرَائِبِ النِّسَاءِ ، وَالتَّرَائِبُ الصُّدُورُ فَاسْتَحَالَ ، بِهَذَا خَلْقُ الْوَلَدِ مِنْ مَاءَيْنِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ مِنْ ذَكَرَيْنِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ فِي شَاهِدِ الْعُرْفِ أَنْ تَنْبُتَ السُّنْبُلَةُ مِنْ حَبَّتَيْنِ ، وَتَنْبُتَ النَّخْلَةُ مِنْ نَوَاتَيْنِ ، دَلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ خَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ مَاءَيْنِ . فَإِنْ قِيلَ لَمَّا لَمْ يَسْتَحِلْ خَلْقُ الْوَلَدِ مِنْ مَاءِ ذَكَرٍ ، وَأُنْثَى ، لَمْ يَسْتَحِلْ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَاءِ ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى . قِيلَ: قَدْ جَوَّزْتُمْ مَا يَسْتَحِيلُ إِمْكَانُهُ فِي الْعُقُولِ ، وَالْعِيَانِ مِنْ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ ، بِأُمَّيْنِ فَكَيْفَ اعْتَبَرْتُمْ إِنْكَارَ إِلْحَاقِهِ بِأَبَوَيْنِ ؟ وَتَعْلِيلُكُمْ بِالْإِمْكَانِ فِي الْأَبَوَيْنِ يُبْطِلُ إِلْحَاقَكُمْ لَهُ بِأُمَّيْنِ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ عِنْدَنَا مُسْتَحِيلٌ فِي الْأَبَوَيْنِ ، وَالْأُمَّيْنِ ، ثُمَّ نَقُولُ مَا اسْتَحَالَ عَقْلًا وَشَرْعًا فِي لُحُوقِ الْأَنْسَابِ ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ نَسَبٌ كَابْنِ عِشْرِينَ إِذَا ادَّعَى أَبُوهُ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُلْحَقْ لِاسْتِحَالَتِهِ ، كَذَلِكَ ادِّعَاءُ امْرَأَتَيْنِ وَلَدًا لَمْ يُلْحَقْ بِهِمَا لِاسْتِحَالَتِهِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )