فهرس الكتاب

الصفحة 812 من 8432

وَقَصَرَ ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنَّا نَكُونُ عَلَى حَرْبٍ ، فَيَكْثُرُ مُقَامُنَا ، أَفَنَقْصُرُ ؟ فَقَالَ: اقْصُرْ ، وَإِنْ بَقِيتَ عَشْرَ سِنِينَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَقْصُرُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا: لِأَنَّ إِتْمَامَ الصَّلَاةِ عَزِيمَةٌ ، وَالْقَصْرَ رُخْصَةٌ فِي السَّفَرِ ، وَالْمُقِيمُ غَيْرُ مُسَافِرٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ إِلَّا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا فَكَانَ مَا سِوَاهَا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ فِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ ، وَإِنَّمَا قَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ: لِأَنَّهُ إِقْلِيمٌ يَجْمَعُ بُلْدَانًا شَتَّى وَقُرًى مُخْتَلِفَةً كَالْعِرَاقِ ، فَكَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، وَمِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ يَقْصُرُ ، فَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ صلاة المسافر ، فَأَمَّا إِنْ نَوَى فِي الْحَرْبِ إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صلاة المسافر فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَقْصُرُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ: لِأَنَّهَا مُدَّةُ الْإِقَامَةِ ، وَقَدْ نَوَاهَا ، وَصَارَ بِهَا مُقِيمًا ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَقْصُرَ إِذَا كَانَ مُقِيمًا ، لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ لَجَازَ لِلْمُسْتَوْطِنِ فِي بَلَدِهِ أَنْ يَقْصُرَ إِذَا كَانَ مُحَارِبًا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَقْصُرُ: لِأَنَّ أَعْذَارَ الْحَرْبِ تُخَالِفُ مَا سِوَاهَا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَقْصُرُ إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا المسافر المحارب . وَالثَّانِي: يَقْصُرُ مَا دَامَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُحَارِبًا ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ بِمُقَامِهِ خُرُوجَ قَافِلَةٍ تِجَارِيَّةٍ ، أَوْ بَيْعَ مَتَاعٍ ، أَوْ زَوَالَ مَرَضٍ ، ثُمَّ يَخْرُجُ ، فَهَذَا يَقْصُرُ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ كَوَامِلَ سِوَى يَوْمِ دُخُولِهِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا يَقْصُرُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِقَامَةِ ، أَوْ بِوُجُودِ فِعْلِ الْإِقَامَةِ . فَإِذَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْإِقَامَةِ قَصَرَ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِعْلُ الْإِقَامَةِ ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ . وَإِذَا أَكْمَلَهَا سِوَى يَوْمِ دُخُولِهِ فَهَلْ يَقْصُرُ أَمْ لَا ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: مِنْهَا قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ: وَقَوْلٌ ثَالِثٌ مُخَرَّجٌ . أَحَدُ الْأَقَاوِيلِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ: لِأَنَّ فِعْلَ الْإِقَامَةِ آكَدُ مِنَ الْعَزْمِ عَلَى الْمُقَامِ لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا وُجِدَ تَحَقَّقَ ، وَقَدْ يَعْزِمُ عَلَى الْمُقَامِ ، وَلَا يَصِيرُ مُقِيمًا ، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ بِالْعَزْمِ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعٍ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ كَانَ بِإِقَامَةِ أَرْبَعَةٍ أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِتْمَامُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي"الْإِمْلَاءِ": يَقْصُرُ إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَرَ هَذِهِ الْمُدَّةَ تَوَقُّعًا لِانْجِلَاءِ الْحَرْبِ عِنْدَ اشْتِغَالِهِ بِهَا . وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِ إِذَا تَوَقَّعَ إِنْجَازَ أَمْرِهِ وَتَقَضِّيَ أَشْغَالِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت