أَصْلُهُ: إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ ، أَوْ غَرَضٌ ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الْأَغْرَاضِ ، وَحُدُوثَ الْأَعْذَارِ لَا تُعْتَبَرُ فِي الْأَسْفَارِ إِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ سَافَرَ لِلنُّزْهَةِ ، وَالشَّهْوَةِ ، وَاخْتَارَ لَذَّةَ قَلْبِهِ ، وَطَلَبَ مُرَادِهِ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْذُورًا كَذَلِكَ هَذَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ فِي سُلُوكِ الْأَبْعَدِ ، لِأَنَّ الْبَلَدَ الَّذِي قَصَدَهُ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ ، وَإِذَا سَلَكَ الْأَبْعَدَ صَارَ كَأَنَّهُ قَدْ طَوَّلَ الْمَسَافَةَ لِأَجْلِ الْقَصْرِ ، وَتَطَوُّلُ الْمَسَافَةِ لِأَجْلِ الْقَصْرِ يَمْنَعُ مِنَ الْقَصْرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَسَافَةً لَا يُقْصَرُ فِي مِثْلِهَا الصَّلَاةَ فِي مُدَّةٍ تَقْصُرُ فِي مِثْلِهَا الصَّلَاةُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ ، وَهُوَ أَنْ يَقْطَعَ عَشَرَةَ أَمْيَالٍ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، فَكَذَلِكَ إِذَا سَافَرَ إِلَى بَلَدٍ لَا يَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةَ فِي طَرِيقٍ يَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَلَيْسَ لِأَحَدٍ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ صلاة المسافر أَنْ يَقْصُرَ ، وَلَا يَمْسَحَ مَسْحَ الْمُسَافِرِ ، فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ وَلَا تَخْفِيفَ عَلَى مَنْ سَفَرُهُ فِي مَعْصِيَةٍ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا سَافَرَ مُنْشِئًا لِسَفَرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَإِخَافَةِ السَّبِيلِ ، وَالسَّعْيِ بِالْفَسَادِ ، أَوْ خَرَجَ بَاغِيًا عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ مُعَاهَدٍ ، أَوْ أَبَقًا مِنْ شِدَّةٍ ، أَوْ هَارِبًا مِنْ حَقٍّ لَزِمَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى بَذْلِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِشَيْءٍ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ بِحَالٍ . قَالَ: لَا يَقْصُرُ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَلَا يُفْطِرُ فِي صِيَامِهِ ، وَلَا يَمْسَحُ ثَلَاثًا عَلَى خُفِّهِ ، وَلَا يَتَنَفَّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ . وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْمُزَنِيُّ: الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ كَالطَّائِعِ فِي اسْتِبَاحَةِ الرُّخَصِ تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [ النِّسَاءِ: ] . فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ هَارِبٍ مِنْ طَائِعٍ ، أَوْ عَاصٍ ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ قَالُوا: وَلِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ جَازَ الِاقْتِصَارُ فِيهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ اسْتَوَى فِي فِعْلِهَا الطَّائِعُ ، وَالْعَاصِي كَالْجُمُعَةِ ، وَالصُّبْحِ . قَالُوا: وَلِأَنَّ لِلْمُقِيمِ رُخْصَةً وَلِلْمُسَافِرِ رُخْصَةً فَلَوْ مَنَعَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ رُخْصَةِ الْمُسَافِرِ لَمَنَعَتْ مِنْ رُخْصَةِ الْمُقِيمِ ، فَلَمَّا جَازَ لِلْمُقِيمِ أَنْ يَتَرَخَّصَ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا ، جَازَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَرَخَّصَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا ، وَقَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ سَفَرًا فِي طَاعَةٍ مِنْ حَجٍّ ، أَوْ جِهَادٍ ، ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ جَازَ أَنْ يَسْتَبِيحَ رُخَصَ السَّفَرِ ، كَذَلِكَ إِذَا أَنْشَأَ سَفَرَهُ عَاصِيًا . وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ فَجَازَ أَنْ يَسْتَبِيحَ الرُّخَصَ مَعَ الْمَعْصِيَةِ كَمَا لَوْ طَرَأَتِ الْمَعْصِيَةُ فِي سَفَرِهِ قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْعَاصِي أَنْ يَتَيَمَّمَ فِي سَفَرِهِ إِجْمَاعًا ، وَلَمْ تَمْنَعْهُ الْمَعْصِيَةُ مِنَ التَّيَمُّمِ كَذَلِكَ لَا تَمْنَعُهُ مِنْ سَائِرِ الرُّخَصِ كَالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ .