فهرس الكتاب

الصفحة 826 من 8432

قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَوْ مَنَعَتْهُ مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي سَفَرِهِ لَاسْتَبَاحَ بِالْمَعْصِيَةِ قَتْلَ نَفْسِهِ: لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهَا أَفْضَى بِهِ الْجُوعُ إِلَى التَّلَفِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النِّسَاءِ: ] . وَلِأَنَّ مَعْصِيَتَهُ لَمَّا لَمْ تُبِحْ لَهُ قَتْلَ غَيْرِهِ لَمْ تُبِحْ لَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ . وَالدَّلَالَةَ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ الْمَائِدَةِ: ] . فَأَطْلَقَ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ عُمُومًا ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ جُمْلَةِ التَّحْرِيمِ مُضْطَرًّا لَيْسَ بِعَاصٍ فَقَالَ تَعَالَى: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ [ الْمَائِدَةِ: ] . أَيْ غَيْرَ مُرْتَكِبٍ لِمَعْصِيَةٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَاصِي الْمُضْطَرُّ كَالطَّائِعِ الَّذِي لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ عَلَيْهِمَا لِعُمُومِ التَّحْرِيمِ . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ الْبَقَرَةِ: ] . فَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ تَحْرِيمًا عَامًّا ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ مُضْطَرًّا غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: غَيْرُ بَاغٍ عَلَى الْإِمَامِ ، وَلَا عَادٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ [ الْمَائِدَةِ: ] . أَيْ: غَيْرَ مُرْتَكِبٍ لِتَنَاوُلِ مَا زَادَ عَلَى سَدِّ رَمَقِهِ ، وَبِقَوْلِهِ:"غَيْرَ بَاغٍ"أَيْ غَيْرَ طَالِبٍ لِأَكْلِ مَا لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَيْهِ ، وَبِقَوْلِهِ: وَلَا عَادٍ ، أَيْ: لَا مُتَعَمِّدٍ فِيهَا بَعْدَ سَدِّ رَمَقِهِ . قِيلَ عَنْ هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَمْرَيْنِ ، وَحَمْلٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَرْضِيُّ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْمَيْتَةَ لِمُضْطَرٍّ غَيْرِ بَاغٍ ، وَلَا عَادٍ ، فَلَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَى سَدِّ رَمَقِهِ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ ، وَالْإِبَاحَةُ لِمُضْطَرٍّ عَلَى حَقٍّ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا عَدَمُ الْمَعْصِيَةِ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا: هُوَ أَنَّ رُخَصَ السَّفَرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالسَّفَرِ ، وَمَنُوطَةٌ بِهِ ، فَلَمَّا كَانَ سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ مَمْنُوعًا مِنْهُ لِأَجْلِ الْمَعْصِيَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الرُّخَصِ مَمْنُوعًا مِنْهُ لِأَجْلِ الْمَعْصِيَةِ . فَإِنْ قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ بِمَا إِذَا جَرَحَ نَفْسَهُ فَعَجَّزَهُ عَنِ الْقِيَامِ ، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مَعْصِيَةً ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِذَا ضَرَبَتْ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ مَا فِيهِ صلاة النفساء ، فَإِنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهَا الصَّلَاةُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ وَإِنْ كَانَ الضَّرْبُ مَعْصِيَةً ، قُلْنَا: جَوَازُ الْقُعُودِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ ، وَالْعَجْزُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَوَلِّدٌ عَنِ الضَّرْبِ الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ إِنَّمَا تَسْقُطُ بِوُجُودِ النِّفَاسِ وَلَيْسَ النِّفَاسُ مَعْصِيَةٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَوَلِّدٌ عَنِ الْإِسْقَاطِ الْحَادِثِ عَنْ سَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ ، فَلِذَلِكَ مَا جَوَّزْنَاهُ ، وَسَبَبُ هَذِهِ الرُّخَصِ هُوَ السَّفَرُ لَا غَيْرَ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت