مُخْتَصَرُ الْمُكَاتَبِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْكِتَابَةُ في الاصطلاح فَهُوَ أَنْ يَعْقِدَ السَّيِّدُ مَعَ عَبْدِهِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ عَلَى عِتْقِهِ بِمَالٍ يَتَرَاضَيَانِ بِهِ إِلَى نُجُومٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهَا ، لِيُعْتَقَ بِأَدَائِهَا فَيَمْلِكُ الْعَبْدُ كَسْبَ نَفْسِهِ وَيَمْلِكُ السَّيِّدُ بِهِ مَالَ نُجُومِهِ ، وَفِي تَسْمِيَةِ هَذَا الْعَقْدِ كِتَابَةً وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعُرْفُ الْجَارِي بِكِتَابَتِهِ فِي كِتَابِ وَثِيقَةٍ ، تُوَقَّعُ فِيهَا الشَّهَادَةُ . وَالثَّانِي: لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ ، فَسُمِّيَ بِهَا هَذَا الْعَقْدُ لِضَمِّ النُّجُومِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ . وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْكِتَابَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" ( النُّورِ: ) . وَفِي قَوْلِهِ: ( عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْكَسْبِ ، وَالِاحْتِرَافِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الرُّشْدُ وَالصَّلَاحُ فِي الدِّينِ . وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَقَتَادَةَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْكَسْبُ وَالْأَمَانَةُ ، لِيَكُونَ بِالْكَسْبِ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ وَبِالْأَمَانَةِ مَوْثُوقًا بِوَفَائِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ . وَفِي قَوْلِهِ:"وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" ( النُّورِ: ) ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ فِي سَهْمِ الرِّقَابِ يُعْطَاهُ الْمُكَاتَبُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ ، وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا ، وَيَكُونُ هَذَا خِطَابًا لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ . وَالثَّانِي: مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ يَضَعُهُ السَّيِّدُ عَنْهُ ، أَوْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ مَعُونَةً لَهُ كَمَا أَعَانَهُ غَيْرُهُ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ ، وَيَكُونُ هَذَا خِطَابًا لِلسَّيِّدِ . وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَحَكَى الْكَلْبِيُّ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ عَبْدًا لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى سَأَلَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ ، فَامْتَنَعَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِيهِ ."