بِتَرِكَتِهِ حَقُّ وَرَثَتِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ دَيْنُ كِتَابَتِهِ ، أَلَا تَرَى لَوْ تَرَكَ أَقَلَّ مِنَ الْوَفَاءِ لَمْ يُورَثْ عَنْهُ ، وَصَارَ إِلَى سَيِّدِهِ مِلْكًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِنْ جَاءَهُ بِالنَّجْمِ فَقَالَ السَّيِّدُ: هُوَ حَرَامٌ ، أَجْبَرْتُ السَّيِّدَ عَلَى أَخْذِهِ أَوْ يُبْرِئُهُ مِنْهُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ . إِذَا دَفَعَ الْمُكَاتَبُ مَالَ نَجْمٍ مِنْ كِتَابَتِهِ إِلَى سَيِّدِهِ فَقَالَ السَّيِّدُ: هُوَ حَرَامٌ ، لِأَنَّهُ مِنْ غَصْبٍ ، أَوْ رِبًا وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: بَلْ هُوَ مَالِي ، وَحَلَالٌ لِي . فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ مَعَ يَمِينِهِ دُونَ السَّيِّدِ ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِهِ ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ مَا قَالَهُ السَّيِّدُ ، وَهُوَ فِي يَمِينِهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَغْصُوبٍ ، وَبَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَإِذَا حَلَفَ قِيلَ لِلسَّيِّدِ: إِمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ ، أَوْ تُبَرِّئَهُ مِنْهُ . فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ الْمُفْلِسُ إِذَا حَلَفَ عَلَى مَالٍ ادَّعَاهُ فَأَكْذَبَهُ فِيهِ بَعْضُ غُرَمَائِهِ وَحُكِمَ لَهُ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ يُقَسِّمُهُ بَيْنَ مَنْ صَدَّقَهُ مِنْ غُرَمَائِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ أَكْذَبَهُ فِيهِ حَقٌّ لِاعْتِرَافِهِ بِتَحْرِيمِهِ ، فَهَلَّا كَانَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ كَذَلِكَ . قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُفْلِسَ لَا يَسْتَضِرُّ بِامْتِنَاعِ بَعْضِ غُرَمَائِهِ مِنْ أَخْذِهِ ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَالْمُكَاتَبَ يَسْتَضِرُّ بِامْتِنَاعِ سَيِّدِهِ مِنْ أَخْذِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، فَلِذَلِكَ أُجْبِرَ السَّيِّدُ عَلَى أَخْذِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُجْبَرْ غَرِيمُ الْمُفْلِسِ . وَمِثَالُ الْمُكَاتَبِ مِنَ الْمُفْلِسِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَّا غَرِيمٌ وَاحِدٌ قَدِ اعْتَرَفَ بِتَحْرِيمِهِ فَيُجْبَرَ عَلَى أَخْذِهِ ، أَوْ إِبْرَائِهِ ، لِأَنَّهُ يَسْتَضِرُّ فِي الْغَرِيمِ الْوَاحِدِ بِتَرْكِ أَخْذِهِ كَالْمُكَاتَبِ فَصَارَا سَوَاءً .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى أَخْذِهِ إذا لم يثبت أن مال المكاتب من حرام فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذَهُ وَإِمَّا أَنْ يُبْرِئَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْأَخْذِ وَالْإِبْرَاءِ . فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ الْمَالَ بَرِئَ الْمُكَاتَبُ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ آخِرِ نُجُومِهِ عَتَقَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ تَضَاعِيفِهَا كَانَ عِتْقُهُ مُعَلَّقًا بِأَدَاءِ مَا بَقِيَ ، فَإِذَا صَارَ الْمَالُ فِي يَدِ السَّيِّدِ نَظَرَ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ تَحْرِيمِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مُسْتَحِقَّهُ كَانَ مُقَرًّا فِي يَدِهِ عَلَى مُسْتَحَقِّهِ ، وَلَا يُجْعَلُ مِلْكًا لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُنْزَعْ مِنْ يَدِهِ . وَإِنْ سَمَّى مُسْتَحِقَّهُ فَقَالَ: هُوَ مَغْصُوبٌ مِنْ زَيْدٍ لَزِمَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى زَيْدٍ ، لِاعْتِرَافِهِ لَهُ بِمَا صَارَ فِي يَدِهِ ، وَلِأَنَّهُ سَمَّى فَصَارَ كَرَجُلٍ أَقَرَّ بِدَارٍ فِي يَدِ أَبِيهِ أَنَّهَا غَصْبٌ ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ فَصَارَتِ الدَّارُ إِلَيْهِ ، لَزِمَهُ رَدُّهَا عَلَى مَنِ اعْتَرَفَ بِغَصْبِهَا مِنْهُ . فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ رَهَنَ رَجُلٌ عَبْدًا فَادُّعِيَتْ عَلَى الْعَبْدِ جِنَايَةٌ صُدِّقَ عَلَيْهَا