أَحَدُهَا: فِي جِنْسِ الْإِيتَاءِ الذي يعطيه لعبده الذي كاتبه . وَالثَّانِي: فِي قَدْرِهِ . وَالثَّالِثُ: فِي وَقْتِهِ . فَأَمَّا جِنْسُهُ: فَهُوَ مَا كَاتَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ ، فَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْتِيَهُ دَنَانِيرَ ، وَلَا عَرْضًا ، وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْتِيَهُ دَرَاهِمَ وَلَا عَرْضًا ، حَتَّى يَكُونَ الْإِيتَاءُ مِنْ كِتَابَةِ الدَّرَاهِمِ دَرَاهِمَ ، وَمِنْ كِتَابَةِ الدَّنَانِيرِ دَنَانِيرَ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ( النُّورِ: ) ، فَإِنْ تَرَاضَيَا أَنْ يُؤْتِيَهُ عَنْ كِتَابَةِ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ أَوْ عَرْضًا ، أَوْ عَنْ كِتَابَةِ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ أَوْ عَرْضًا ، جَازَ ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ إِذَا كَانَ دَرَاهِمَ ، فَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهَا دَنَانِيرَ أَوْ عَرْضًا جَازَ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِيتَاءَ مُسْتَحَقٌّ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ الْحَقُّ فِي الْمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَتَعَيَّنُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ ، وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهَا إِنْ شَاءَ ، أَوْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهَا مِنْ غَيْرِهَا ، كَالزَّكَاةِ يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي إِخْرَاجِهَا مِنْ عَيْنِ الْمَالِ الْمُزَكَّى ، أَوْ مِنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَقَّهُ مُعَيَّنٌ فِي الْمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ، مَعْنَاهُ: الَّذِي آتَاكُمْ مُكَاتَبُوكُمْ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّكَاةِ ، أَنَّ الْإِيتَاءَ حَطِيطَةٌ ، وَالْحَطِيطَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ عَيْنِ الْمَالِ ، وَالزَّكَاةُ مَعُونَةٌ يَسْتَوِي فِيهَا عَيْنُ الْمَالِ وَمِثْلُهُ ، فَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْإِيتَاءُ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَتَرَاضَيَا بِغَيْرِ الْجِنْسِ ، جَازَ أَنْ يَتَرَاضَيَا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقَدْرُ الذي يعطاه المكاتب: فَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِالرُّبُعِ ، وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيتَاءِ ، مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ ، حَتَّى لَوْ أَعْطَاهُ دِرْهَمًا مِنَ الْوَرِقِ أَجْزَأَ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَقَدَّرْ بِشَرْعٍ وَلَا عُرْفٍ اعْتُبِرَ فِيهِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، أَنَّهُ يَتَقَدَّرُ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الْكِتَابَةِ ، كَالْمُتْعَةِ الَّتِي رُوعِيَ فِيهَا عِنْدَ إِطْلَاقِهَا مُتْعَةُ الْمِثْلِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ ، وَلَمْ يُرَاعَ فِيهَا مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ، لِأَنَّ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ قَلِيلٌ لَا يُؤَثِّرُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي مَعُونَتِهِ .