فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 8432

وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ دَخَلَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَجَلَسَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَكَلَّمَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَظَنَّ أَنَّهُ عَنْ مَوْجِدَةٍ ، فَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: إِنْ تَكَلَّمْتَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا جُمْعَةَ لَكَ ، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِهِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ أُبَيٌّ ، أَوْ قَالَ أَطِعْ أُبَيًّا . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ تَكَلَّمَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ كَانَ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ، وَمَنْ قَالَ: أَنْصِتْ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَى الْخَاطِبِ إِظْهَارُهَا إِلَّا وَتَعَلَقَّ عَلَيْهِمْ وُجُوبُ اسْتِمَاعِهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا حَظَرَ عَلَى الشَّاهِدِ كِتْمَانَ الشَّهَادَةِ كَانَ ذَلِكَ عِلْمًا عَلَى إِيجَابِ اسْتِمَاعِهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ الْإِنْصَاتَ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ سُلَيْكًا وَلَوْ حَرُمَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ لَمْ يَتَكَلَّمْ ، وَإِذَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الْكَلَامُ خَاطِبًا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَأْمُومِ الْإِنْصَاتُ مُسْتَمِعًا ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى أَبِي الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَكَانَ أَلَّبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ وَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِهِ ، فَرَجَعُوا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، فَلَمَّا رَآهُمْ مُقْبِلِينَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْلَحَتِ الْوُجُوهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَوَجْهُكَ أَفْلَحُ . فَقَالَ: أَقَتَلْتُمُوهُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ ، فَقَالَ: أَرُونِي سَيْفَهُ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ، وَقَالَ: هَذَا طَعَامُهُ فِي ذُبَابِهِ . وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا قَامَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَعْدَدْتَ لِقِيَامِ السَّاعَةِ ؟ فَقَالَ: لَا شَيْءَ وَاللَّهِ ، غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسِلْمِ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ . وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِنْصَاتُ لَهَا وَاجِبًا لَكَانَ إِبْلَاغُهَا بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا وَاجِبًا ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ إِبْلَاغُهَا ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَأْمُومِينَ الْإِنْصَاتُ لَهَا ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يُفْسِدُهَا الْكَلَامُ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُحَرَّمَ فِيهَا الْكَلَامُ كَالطَّوَافِ وَالصِّيَامِ .

فَصْلٌ: وَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَأَوَّلُ زَمَانِ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ إِذَا ابْتَدَأَ الْإِمَامُ بِالْخُطْبَةِ ، بِخِلَافِ الرُّكُوعِ الَّذِي يَحْرُمُ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِمَامِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت