وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْرُمُ الْكَلَامُ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِمَامِ كَالرُّكُوعِ . قَالَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ ، وَالْكَلَامُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَلَا طَاعَةٍ ، فَإِذَا حَرُمَ الرُّكُوعُ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ كَانَ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ عِنْدَ ظُهُورِهِ أَوْلَى . وَدَلِيلُنَا: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، الْمَنْقُولُ مِنْ وَجْهَيْنِ: قَوْلٌ وَفِعْلٌ أَمَّا الْفِعْلُ: فَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْكَعُونَ حَتَّى يَصْعَدَ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، الْمِنْبَرَ ، فَإِذَا صَعِدَ قَطَعُوا الرُّكُوعَ ، وَيَتَكَلَّمُونَ حَتَّى يَبْتَدِئَ بِالْخُطْبَةِ فَإِذَا ابْتَدَأَ بِهَا قَطَعُوا الْكَلَامَ . وَأَمَّا الْقَوْلُ: فَمَا رُوِيَ عَنْهُمْ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي الْكَلَامِ حَرُمَ الْكَلَامُ ، وَلِأَنَّ الرُّكُوعَ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهُ مَعَ الْخُطْبَةِ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ ، فَقَدَّمَ تَحْرِيمَ الرُّكُوعِ لِيَكُونَ مَا بَيْنَ ظُهُورِ الْإِمَامِ وَخُطْبَتِهِ زَمَانُ تَمَامِ الرُّكُوعِ ، وَالْكَلَامُ يُمْكِنُ قَطْعُهُ مَعَ الْخُطْبَةِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ تَحْرِيمُهُ إِلَى زَمَانٍ يَتَقَدَّمُ الْخُطْبَةَ . وَلَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، وَالْأَصَمِّ وَالسَّمِيعِ ، كُلُّهُمْ فِي الْإِنْصَاتِ سَوَاءٌ ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: أَنْصِتُوا فَإِنَّ حَظَّ الْمُنْصِتِ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْ كَحَظِّ الْمُنْصِتِ السَّامِعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ قَائِمًا خُطْبَتَيْنِ ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا جَلْسَةً خَفِيفَةً ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيَخْطُبُ جَالِسًا وَلَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ مَا لَمْ يَخْطُبْ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ . خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ حكمها وَاجِبَةٌ ، وَهِيَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا ، لَا يَصِحُّ أَدَاءُ الْجُمْعَةِ إِلَّا بِهَا ، فَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ شَذَّ عَنِ الْإِجْمَاعِ وَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً ، لِأَنَّ الْجُمْعَةَ قَدْ تَصِحُّ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْخُطْبَةَ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يَصِحَّ إِدْرَاكُ الْجُمْعَةِ إِلَّا بِهَا . وَهَذَا خَطَأٌ ، وَيُوَضِّحُهُ إِجْمَاعُ مَنْ قَبْلَ الْحَسَنِ وَبَعْدَهُ ، وَقَالَ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [ الْجُمْعَةِ: ] . فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَمْرَهُ بِالسَّعْيِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ يَتَضَمَّنُ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِهَا وَاجِبًا . وَالثَّانِي: أَنَّ الذِّكْرَ مُجْمَلٌ ، يَفْتَقِرُ إِلَى بَيَانٍ ، وَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ: بِأَنْ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي . وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَتَعَلَّقَ إِدْرَاكُ الْجُمْعَةِ بِحُضُورِهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، لَأَنَّ