فهرس الكتاب

الصفحة 1057 من 2668

عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟"أخرجه مسلم في صحيحه؛ والبُخَارِيّ فِي"الأدب المفرد". وإِنَّمَا عني الإِسلام بعيادة المريض كل هذه العناية لما فيها من عظيم المواساة، وتجاوب العواطف والمشاعر الإِنسانية، ومشاركة المريض وجدانيًا، ولأن المريض يتأثر بهذه الزيارة تأثرًا نفسيًا عظيمًا يؤدي إلى تحسن صحته الجسمية، سيما إذا كان الزائر من الذين يحبهم ويرتاح إليهم، ويأنس بزيارتهم. قال ابن القيم:"وَقَدْ شَاهَدَ النَّاسُ كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى تَنْتَعِشُ قُوَاهُ بِعِيَادَةِ مَنْ يُحِبُّونَهُ، وَيُعَظِّمُونَهُ، وَرُؤْيَتِهِمْ لَهُمْ، وَلُطْفِهِمْ بِهِمْ، وَمُكَالَمَتِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ فَوَائِدِ عِيَادَةِ الْمَرْضَى الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِمْ"اهـ (1) . وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:"

مَرِضَ الحُبيْبُ فَعُدْتُهُ ... فَمَرِضْتُ إِشْفَاقًا عَلَيْه

وأَتَى الحَبِيْبُ يَعُوْدُنِي ... فَشُفِيْتُ مِنْ نَظَرِيْ إلَيْه

وبعض التَّجارب يدل على ما هو أعظم من ذلك وأبلغ. أمَّا وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ فإنَّها فرض عين كما صرح به الحنابلة، ونص عليه مالك، وفرَّق الشَّافِعِيَّة بين وليمة العرس وغيرها، فأوجبوها في الأولى واستحبوها في الثَّانية. فإجابة الدَّعوة واجبة إلاّ إذا كان طعامها مشبوهًا أو حرامًا أو فيها محرم، أو من يُتأذَّى به، فلا تجوز إجابتها.

ثانيًا: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ مَاشِيًا، وَالْمَشْيُ أَفَضْل مِنَ الرُّكُوبِ واستدل أَبُو حَنِيْفَةَ بقوله:"أمرنا باتِّباع الجنائز"على أنَّ المشي خلف الجنازة أفضل حيث فسر الاتباع بالاتباع الحِسِّيِّ، وهو المشي خلف الشَّيْءِ. قال فِي"اللباب فِي الجمع بين السُنَّةِ والكِتَابِ":"- أخرج - التِّرْمِذِيّ: عَن يحيى إِمَام بني تيم الله، عَن أبِي ماجِدٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ:"سَأَلْنَا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَشْيِ خَلْفَ الْجِنَازَةِ قَالَ: مَا دُونَ الْخَبَبِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا عَجَّلْتُمُوهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَلَا يَبْعُدُ إلَّا أَهْلُ النَّارِ، الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَا تَتْبَعُ، وَلَيْسَ مِنْهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا"اهـ (2) . وقالت الشَّافِعِيَّةُ:"المشي أمام الجنازة أفضل لما روي بإسنادٍ صحيحٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"رَأَيْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ (3) . وَلأَنَّ المُشَيِّعِينَ شُفَعَاءُ للمَيِّتِ، ومن حَقِّ الشَّفِيعِ أَنْ يَتَقَدَّمَ على مَشْفُوعِهِ. وأَجَابُوا عن حديث الباب بِأَنَّ المُرَادَ بالاتِّبَاعِ الاتِّبَاعَ المَعْنَوِيِّ وَهُوَ تَشْيِيعِ الجَنَائِزِ إلى مَثْوَاهَا الأَخِيرِ. قَالَ فِي"الوَسِيطُ فِي المَذْهَبِ":"الْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أفضل عندنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: خلفهَا أفضل. وَقَالَ أَحْمد: إِنْ كَانَ رَاكِبًا فَخَلْفَهَا وَإِن كَانَ مَاشِيًا فَأَمَامَهَا وَالْمَشْي أَفْضَلُ مِنَ الرّكُوبِ؛ والإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ أَوْلَى"اهـ (4) .

وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي"الأُمِّ": سَمِعْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ الْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا عِنْدَنَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ إنَّمَا قَدُمَ النَّاسَ لِتَضَايُقِ الطَّرِيقِ حَتَّى كَأَنَّا لَمْ نَحْتَجَّ بِغَيْرِ مَا رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: الْمَشْيُ خَلْفَهُ أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْجِنَازَةَ مَتْبُوعَةٌ، وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، وَقَالَ: التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِهَا إذَا كَانَ خَلْفَهَا أَكْثَرُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ فِي أَنَّ الْمَشْيَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ! مَشَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَامَهَا، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْعَامَّةَ تَقْتَدِي بِهِمْ، وَتَفْعَلُ فِعْلَهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا مَعَ تَعْلِيمِهِ الْعَامَّةَ نَعْلَمُهُمْ يَدَّعُونَ مَوْضِعَ الْفَضْلِ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت