وَأَمَّا الثَّاني فهو أَنَسُ بْنُ زُنَيْمِ بْنُ عَمْرِو الدِّئْلِيِّ رضي اللهُ عنه: وهو أخو ساريةَ بنِ زُنيمٍ الذي قالَ له عمر رضي اللهُ عنه:"يا سَارِيةُ الجَبَلَ". كَانَ خَلِيعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ حَضَرًا عَلَى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. عَنْ حِزَامُ بْنُ هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ الْكَعْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:"لَمَّا قَدِمَ رَكْبُ خُزَاعَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنْصِرُونَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ كَلَامِهِمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَنَسَ بْنَ زُنَيْمٍ الدِّئْلِيَّ قَدْ هَجَاكَ، فَنَذَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَمَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ أَسْلَمَ أَنَسٌ، وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ مِمَّا بَلَغَهُ، وَكَلَّمَهُ فِيهِ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّئْلِيُّ، وَقَالَ:"أَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ، وَمَنْ مِنَّا لَمْ يُؤْذِكَ وَلَمْ يُعَادِكَ وَنَحْنُ فِي جَاهِلِيَّةٍ، لَا نَدْرِي مَا نَأْخُذُ وَمَا نَدَعُ، حَتَّى هَدَانَا اللَّهُ بِكَ، وَأَنْقَذَنَا مِنَ الْهَلَكَةِ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ» ."
فَقَالَ نَوْفَلُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ زُنَيْمٍ يَعْتَذِرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا بَلَغَهُ:
أَنْتَ الَّذِي تَهْدِي مَعْدَ بِأَمْرِهِ ... بَلِ اللَّهُ يَهْدِيهَا وَقَالَ لَكَ: اشْهَدِ
تَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ مُدْرِكِي ... وَأَنَّ وَعِيدًا مِنْكَ كَالْأَخْذِ بِالْيَدِ
تَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قَادِرٌ ... عَلَى كُلِّ سَاكِنٍ مِنْ تَهَامٍ وَمُنْجِدِ
وَنُبِّي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ قَدْ هَجَوْتُهُ ... فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ إِذًا يَدِي
سِوَى أَنِّي قَدْ قُلْتُ يَا وَيْحَ فِتْيَةٍ ... أُصِيبُوا بِنَحْسٍ يَوْمَ طَلْقٍ وَأَسْعَدِ
أَصَابَهُمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِدِمَائِهِمْ ... كِفَاءً فَعَزَّتْ عَبْرَتِي وَتَلَدُّدِي
ذُؤَيْبًا وَكُلْثُومًا وَسُلْمَى تَتَابَعُوا ... جَمِيعًا فَإِلَّا تَدْمَعِ الْعَيْنُ أَكْمَدِ
عَلَى أَنَّ سُلْمَى لَيْسَ فِيهِمْ كَمِثْلِهِ ... وَإِخْوَتِهِ أَوْ هَلْ مُلُوكٌ كَأَعَبُدِ
فَإِنِّيَ لَا عِرْضًا خَرَقْتُ وَلَا دَمًا ... هَرَقْتُ فَفَكِّرْ عَالِمَ الْحَقِّ وَاقْصِدِ
وفي هذه القصيدة قوله:
فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا ... أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ
قال دعبل بن عليّ في «طبقات الشّعراء» :"هذا أصدق بيت قالته العرب".
الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا عروة بن الزبير في هذا الحديث عن غزوة الفتح، فيقول:"لمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الفَتْحِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا"وفي رواية ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ"."خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ"