أَيْ بَابُ مَا جَاءَ فِى الشَّرِكَةِ فِى الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوضِ، وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً، لَمَّا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِى النَّهْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا، وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْقِرَانُ فِى التَّمْرِ.
"والنَّهْدُ" (1) : بِكَسْرِ النُّونِ وَبِفَتْحِهَا إِخْرَاجُ الْقَوْمِ نَفَقَاتِهِمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الرُّفْقَةِ؛ يُقَالُ: تَنَاهَدُوا وَنَاهَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وقيل هِيَ أَنْ يَنْثُرَ الرُّفْقَةُ زَادَهُم على سُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَأْكُلُوا جَمِيعًَا منه.
وَ"الْعُرُوضُ": بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ عَرْضٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ مُقَابِلُ النَّقْد؛ ِ وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَجَمِيعُ أَصْنَافِ الْمَالِ. وَمَا عَدَا النَّقْدَ يَدْخُلُ فِيهِ الطَّعَامُ؛ فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ. وَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّبَوِيَّاتُ وَلَكِنَّهُ اغْتُفِرَ فِي النَّهْدِ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِهِ (2) . وقال أَبُو حَنِيْفَةَ:"لا تَجُوزُ مُطْلَقًَا ولا تكون إلاّ بالنَّقْدَيْن". قال فِي"تبيين الحقائق": (قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَلَا تَصِحُّ مُفَاوَضَةٌ وَعِنَانٌ بِغَيْرِ النَّقْدَيْنِ وَالتِّبْرِ وَالْفُلُوسِ النَّافِقَةِ". وَقَالَ مَالِكٌ:"يَجُوزُ فِي الْعُرُوضِ إذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي رَأْسِ مَالٍ مَعْلُومٍ كَالنُّقُودِ؛ بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّهَا جُوِّزَتْ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ". وَلَنَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسَ مَالِهِ وَتَفَاضَلَ الثَّمَنَانِ فَمَا يَسْتَحِقُّهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الزِّيَادَةِ فِي مَالِ صَاحِبِهِ رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَمَا لَمْ يَمْلِكْ بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ) اهـ (3) .
(1) قَالَ بن سِيدَهْ:"النَّهْدُ: الْعَوْنُ؛ وَطَرَحَ نَهْدَهُ مَعَ الْقَوْمِ أَعَانَهُمْ وَخَارَجَهُم؛ ْ وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَقَالَ عِيَاضٌ مِثْلَ قَوْلِ الْأَزْهَرِيِّ إِلَّا أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالسَّفَرِ وَالْخَلْطِ وَلم يُقَيِّدهُ بِالْعدَدِ. وَقَالَ بن التِّينِ: قَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ النَّفَقَةُ بِالسَّوِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ"اهـ.
(2) وهو مَذْهَب الجمهور، قال ابن قدامة:"فَأَمَّا الْعُرُوض، فَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِيهَا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَحَرْبٍ. وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ"اهـ. ("الْمُغْنِي":"فصل شركة العنان"ج 5 ص 13) .
(3) "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق":"كتاب الشركة"ج 3 ص 316.