عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ، أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَوْقَ دَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: أُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حِرَاءَ حِينَ انْتَفَضَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثْبُتْ حِرَاءُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي جَيْشِ العُسْرَةِ: مَنْ يُنْفِقُ نَفَقَةً مُتَقَبَّلَةً، وَالنَّاسُ مُجْهَدُونَ مُعْسِرُونَ فَجَهَّزْتُ ذَلِكَ الجَيْشَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ أُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُومَةَ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُ مِنْهَا أَحَدٌ إِلاَّ بِثَمَنٍ فَابْتَعْتُهَا فَجَعَلْتُهَا لِلْغَنِيِّ وَالفَقِيرِ وَابْنِ السَّبِيلِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ، نَعَمْ، وَأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ"اهـ. وَقال الشيخ الأَلْبَانِيّ:"صَحِيحٌ"."
(2) "عمدة القاري":"باب فِي الشرب"ج 12 ص 191.
لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ» ""
775 -عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
775 -الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.
معنى الحديث: قَالَ النَّووي:"مَعْنَاهُ أَنْ تَكُونَ لِإِنْسَانٍ بِئْرٌ مَمْلُوكَةٌ لَهُ بِالْفَلَاةِ وَفِيهَا مَاءٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ وَيَكُونَ هُنَاكَ كَلَأٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ إِلَّا هَذِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي رَعْيَهُ إِلَّا إِذَا حَصَلَ لَهُمُ السَّقْيُ مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْعُ فضل هذا الماء للماشية ويجب بذله لها بِلَا عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَنْعَ بَذْلَهُ امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ رَعْيِ ذَلِكَ الْكَلَأِ خَوْفًا عَلَى مَوَاشِيهِمْ مِنَ الْعَطَشِ وَيَكُونُ بِمَنْعِهِ الْمَاءَ مَانِعًا مِنْ رَعْيِ الْكَلَأِ"اهـ (1) . لأنَّهَا لو أَكَلَتْ منه لظَمَأتْ ولا تَجِدُ ماءً فَتَهْلِكْ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
(يَجِبُ على صَاحِبِ البِئْرِ أَنْ يبذلَ مَا يفضل عَنْ حَاجَتِهِ من المَاءِ لسَقْيِّ الماشِيَةِ وأنَّهُ يَحْرُمُ عليه منعها من الشُّرْبِ كما ذهب إليه أكثر أهل العلم، وهو مَذْهَب مالك والْأَوْزَاعِيّ والجمهور، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الزَّرْعُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ:"الِاخْتِصَاصُ بِالْمَاشِيَةِ". وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ عَنْه: ُ بَيْنَ الْمَوَاشِي وَالزَّرْعِ بِأَنَّ الْمَاشِيَةَ ذَاتُ أَرْوَاحٍ يُخْشَى مِنْ عَطَشِهَا مَوْتُهَا؛ بِخِلَافِ الزَّرْعِ. وَبِهَذَا أَجَابَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاسْتَدَلَّ لِمَالِكٍ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ:"نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ"؛ لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كَلَأٌ يُرْعَى فَلَا مَانِعَ مِنَ الْمَنْعِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ:"وَالنَّهْيُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلتَّنْزِيهِ فَيُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يُوجِبُ صَرْفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا: وُجُوبُ بَذْلِهِ مَجَّانًا؛ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ") اهـ (2) .