أَي: هَذَا كِتَابٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْأَشْرِبَة مَا يَحْرُمُ من ذَلِكَ وَمَا يُبَاحُ، وَهِي جَمْعُ شَرَابٍ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُشْرَبُ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ: هُوَ الشّرْبُ بِتَثْلِيثِ الشِّينِ يُقَالُ: شَرِبَ المَاءَ وَغَيرَهُ شُرْبًَا وشِرْبًَا. وقُرِئَ (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) بالوُجٌوهِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الشَّرْبُ بِالْفَتْح مَصْدَر، وبالخَفْضِ وَالضَّمِّ اسْمَانِ من شَرْبٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
954 -"بَابُ قَوْلِهِ: {إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} "
قَالَ العَيْنِيُّ: (أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الخَمْرُ} الْآيَة؛ لَمْ يَقَعْ لَفْظُ بَابٍ إلاَّ فِي رِوَايَةِ أبي ذَر، وَفِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة نَهَى اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَن تَعَاطِي الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ(1) وَهُوَ الْقِمَارُ، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن عبس بن مَرْحُوم عَن حَاتِم عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنَّه قَالَ: الشَّطَرَنْج من الْقمَار، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الأحمسي حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان أَن اللَّيْث وَعَطَاء ومجاهدًا وَطَاوُس، قَالُوا: كل شَيْء من الْقمَار فَهُوَ الميسر حَتَّى لعب الصِّبيان بالجوز، وروى عَن رَاشد بن سعد وَحَمْزَة بن حبيب مثله، قَالَا: حَتَّى الكعاب والجوز وَالْبيض الَّتِي يَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : وَأما الشَّطَرَنْجُ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ عُمَرَ:"أَنه شَرّ من النَّرْد"، وَنَصَّ على تَحْرِيِمهِ مَالكٌ وَأَبُو حَنِيْفَةَ وَأحْمَدُ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيّ. قلت: إِذا كَانَ الشَّطَرَنْج شَرًَّا من النَّرْدِ فَانْظُر مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي النَّرْدِ، رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) وَأحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ) وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي (سنَنَيْهِمَا عَن) أبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (2) ، وروى مُسْلِم عَن بُرَيْدَةَ بْنَ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ) "اهـ (3) ."
(1) قال فِي"القاموس الفقهي":"الْمَيْسِرُ: عند الحَنَفِيَّةِ، والشَّافِعِيَّةِ، والحَنَابِلَةِ: كُلُّ لَعِبٍ على مَالٍ يَأْخُذَهُ الغَالِبُ من المَغْلُوبِ كَائِنًَا مَا كَانَ، إلا مَا اسْتُثْنِيَ فِي بَابِ السَّبْقِ. وقال فِي"معجم ديوان الأدب":"الْمَيْسِرُ: وهو شَيْءٌ كانت العربُ تفعلُهُ فِي الجاهليةِ، فَنُهُوا عنه، وهو ضَرْبٌ من القِمارِ"اهـ. وقال فِي"تهذيب اللغة":"