214 -وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي» ."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
214 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيُّ وابن ماجة.
معنى الحديث: تُحَدِّثُنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي هذا الحديث:"أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ"أي صَلَّى في كِسَاءٍ مُزَخْرَفٌ بخطوط جميلة، تروق النَّظَر، وتشغل القلب والفكر،"فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ"أي فلما فرغ من صلاته أمر بإعادتها إلى أبي جهم،"وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ (1) أَبِي جَهْمٍ"وَإِنَّمَا طَلَبَ أَنْبِجَانِيَّتَهُ بَدَلَهَا لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِرَدِّ هَدِيَّتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلَّة استنكاره لها، وكراهيته لاستعمالها، فقال:"فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي (2) آنِفًا عَنْ صَلاَتِي"أيْ فإِنَّمَا كرهتها لأنَّها كَادَتْ أنْ تشغلني عَنْ الصَّلاةِ لا أنَّهَا شَغَلَتْهُ بالفعل، لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومٌ من ذلك. أو أنَّ معناه: فإنِّي خِفْتُ أنْ تشغلني بِهَا أثْنَاءَ صَلاتِي.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: أنَّهُ يُكْرَهُ كُلُّ ما يَشْغَلُ، عَنْ الصَّلاةِ من الألوان الجميلة والنُّقُوش المُزَخْرَفَةِ فِي الثَّوْبِ أو البساط أو الجدار لأنَّها تحول دون الخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ. ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ التَّهَادِي بَيْنَ الإخْوَان.
ثالثًا: صِحَّةُ الصَّلاةِ فِي ثَوْبٍ، أو على بساطٍ مُزَخْرَفٍ بِنُقُوشٍ جَمِيلَةٍ مع الكَرَاهِيَةِ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَمَّ صلاته في الخميصة، ولم يقَطعها.
والمطابقة: فِي قَوْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ".
(1) قال في"مرقاة المفاتيح":"وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، وَفِيهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَحْفُوظِ مِنَ الرِّوَايَةِ وَالِدِّرَايَةِ، فَفِي الْمَعْنَى: هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، كِسَاءٌ لَا عَلَمَ لَهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: مَنْبِجٌ كَمَجْلِسٍ مَوْضِعٌ، وَكِسَاءٌ مَنْبَجَانِيٌّ وَأَنْبَجَانِيٌّ بِفَتْحِ بَائِهِمَا نِسْبَةً عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَحْفُوظُ فِي أَنْبِجَانِيَّةٍ كَسْرُ الْبَاءَ، وَهُوَ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى"مَنْبِجَ"بَلْدَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِالشَّامِ وَهِيَ مَكْسُورَةُ الْبَاءِ فَفُتِحَتْ فِي النَّسَبِ وَأُبْدِلَتِ الْمِيمُ بِهَمْزَةٍ، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْبِجَانُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَعَسُّفٌ، وَهُوَ كِسَاءٌ يُتَّخَذُ مِنَ الصُّوفِ لَهُ خَمَلٌ، وَلَا عَلَمَ لَهُ، وَهُوَ مَنْ أَدْوَنِ الثِّيَابِ الْغَلِيظَةِ، وَالْهَمْزَةُ فِيهَا زَائِدَةٌ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَقَدْ حُذِفَ بَعْضُ حُرُوفِهَا وَعُرِّبَ"اهـ. ج 2 ص 632.
(2) قال العيني:"قَوْله: (ألهتني) أَي: أشغلتني، وَهُوَ من: الإلهاء، وثلاثيه: لهي الرَّجُلُ عَن الشَّيْءِ يَلْهَى عَنهُ إِذا غفل، وَهُوَ من بَاب: يعلم، وَأمَّا: لَهَا يلهو إِذا لعب فَهُوَ من بَاب: نصر ينصر. وَفِي (الموعب) : وَقد لهى يلهو والْتَهَى وألْهَانِي عَنهُ، كَذَا ... أَي أنساني وشغلني"اهـ.