فهرس الكتاب

الصفحة 1433 من 2668

(1) "فقه السنة":"قضاء الاعتكاف"ج 1 ص 483.

"كِتَابُ البُيُوعِ"

مقدمة وتمهيد:

مِنْ مَزَايَا التَّشْرِيعِ الإِسْلامِيِّ عنايته بتنظيم الحياة الإِنسانية من جَمِيعِ نواحيها المختلفة، فَإنَّ بعض الأديان اقتصر على الجانب الروحي للإنسان من العقائد والعبادات والطقوس الدينية دون حياة الإِنسان المعيشية والاجتماعية. فلم تعن بمعاملاته مع الآخرين من أبناء جنسه (1) أو تضع القوانين اللازمة لهذه المعاملات عدا بعض النَّصائح التي تدعو إلى التسامح والمسالمة دون تحديد المسؤوليات والحقوق والواجبات. ولم تعنَ بوضع القوانين التفصيلية لحماية حقوق الإِنسان. ولهذا اضطر أصحاب هذه الديانات إلى استعمال القوانين الوضعية لتنظيم العلاقات الإِنسانية واعتبروا الدين علاقة روحية بين العبد وربه فقط، لأنهم لم يجدوا في دينهم القوانين الكفيلة بتنظيم حياتهم ومعيشتهم.

وإذا كان هذا هو الواقع بالنسبة إلى الأديان الأخرى، فإنه لا ينطبق على شريعة الإِسلام الشاملة لحياة الإِنسان الدينية والدنيوية، وهذه هي النصوص الإِسلامية في الكتاب والسنة والفقه الإسلامي لم تدع حكمًا يحتاج إليه البشر في الأحوال الشَّخصية والاجتماعية والقضائية والمعاملات والجنايات والسَّياسة والاقتصاد إلّا بَيَّنَتْهُ للنَّاس. ففي المعاملات: وضع الإِسلام أحكام البيع والشِّراء والإِيجار والوكالة والكفالة وغيرها لضبط تصرفات النَّاس في هذه الحياة على وجه يضمن لهم الأمن والاستقرار والسعادة الحقيقية.

ولو دَقَّقنا النَّظَر في هذه الأحكام من الناحية النفسية والاجتماعية والسياسية لوجدنا فيها كل ضمان للملكية الفردية السليمة والحرية الشخصية الصَّحِيْحَةِ؛ فإنَّ كل أحكام المعاملات في الإسلام قائمةٌ على عدم أكل أموال النَّاسِ بالباطل ولا شك أنَّ في مقدمة ذلك أَبواب المعاملات"البيوع وما يتعلق بها". وقد عُني الإسلام بالبيع ووضع له الشُّرُوط والأحكام لتحقيق الكسب الحلال والحيلولة دون أكل أموال الناس بالباطل، وحماية الإِنسان من أكل الحرام. ولهذا (قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"خَيْرُ الْكَسْبِ كَسْبُ يَدِ الْعَامِلِ إِذَا نَصَحَ"؛ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْكَسْبِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:"عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ") (2) . ولا يكون البَيعُ مبرورًا إلاّ إذا كان بيعًا شرعيًا صحيحًا.

قال القاري: والكسب بقدر الكفاية واجب لنفسه وعياله عند عامة العلماء، وما زاد عليه فهو مباح، وإِنَّمَا عني الإِسلام بالبيع لحاجة الناس إليه، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي"الْقَبَسِ":"الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ عَقْدَانِ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا قِوَامُ الْعَالَمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْغِذَاءِ مُفْتَقِرًا إِلَى النِّسَاءِ، وَخَلَقَ لَهُ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلَمْ يَتْرُكْهُ سُدًى يَتَصَرَّفُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت