وَالْأَحْيَاءُ بِالْفَتْحِ جَمْعُ حَيٍّ وَالْمُرَادُ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ مَخْصُوصَةٌ. قَالَ الْهَمْدَانِيُّ: فِي الْأَنْسَابِ الشِّعْبُ وَالْحَيُّ بِمَعْنَى؛ وَسُمِّيَ الشِّعْبَ لِأَنَّ الْقَبِيلَةَ تَتَشَعَّبُ مِنْهُ. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَلَا بِاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ، وَتَقْيِيدُهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِأَحْيَاءِ الْعَرَبِ يُشْعِرُ بِحَصْرِهِ فِيهِ؛ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ غَيْرِهِ"اهـ."
والمراد بِهذا الباب ذكر الأحاديث الدَّالة على جواز أخذ الأجرة على الرُّقْيَةِ وهي كما أفاده العيني:"كل كلام استشفي به من مرض أو خوف أو شيطان أو نحوه"، والمراد بها الرقية بالقرآن والأذكار والأدعية المأثورة كما يَدُلُّ عليه حديث الباب.
قال فِي"مرقاة المفاتيح":"قَالَ الْقَاضِي:"فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالرُّقْيَةِ بِهِ وَجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْآتِي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ وَبِذِكْرِ اللَّهِ وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ رَخَّصَ بَيْعَ الْمَصَاحِفِ وَشِرَاءَهَا وَأَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى كِتَابَتِهَا وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ"اهـ (1) ."
(1) "مرقاة المفاتيح": باب الإجارة ج 5 ص 1992.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
759 -عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ، عنْ أَبي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ،"