فهرس الكتاب
والحُدُودُ (1) لُغَةً: جَمْعُ حَدٍّ، وهو المَنْعُ. ومِنْهُ حُدُودُ العَقَارِ، لأَنَّهَا مَوَانِع تَحُولُ دُونَ امْتِدَادِ يَدِ الغَيْرِ إليه، ومُشَارَكَتِهِ فيه. وأَحَدَّتْ المُعْتَدَّةُ: امْتَنَعَتْ عن الزِّينَةِ. وتُطْلَقُ الحُدُودُ أيْضًَا على الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ المُقَرَّرَةِ؛ ومنه قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
أمَّا مَعْنَى الحَدُّ شَرْعًَا:"فهو العُقُوبَةُ المُقَدَّرَةُ حَقًَّا للهِ تَعَالَى ومعنى كَوْنِهَا مُقَدَّرَةٌ أنَّهَا مَحْدُودَةٌ مُعَيَّنَةٌ لا يُزَادُ فِيهَا ولا يُنْقَصُ منها، ولَيْسَ لها حَدٌّ أَدْنَى وَحَدٌّ أَعْلى، وهِيَ حَقُّ اللهِ تَعَالَى الذي لا يَقْبَلُ الإِسْقَاطَ من الأفْرَادِ ولا من الجَمَاعَاتِ، ولا يَمْلِكُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ العَفْوَ عن المُجْرِمِ فِيهَا، فَلَوْ تَنَازَلَ المَسْرُوقُ مِنْه بعد بُلُوغِ القَضِيَّةِ إلى الحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ لا يُؤَثِّرُ تَنَازُلُهُ وعَفْوُهُ بِشَيْءٍ، ولا تَسْقُطُ هذه العُقُوبَةُ عن الْجَانِي. لما رواه مالك فِي"الموطأ"عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ:"مَا مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ اللهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا"وإسناده صحيح (2) . ولا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِي حَدٍّ أصْلًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟"."
(1) قال الحافظ فِي"الفتح":"جَمْعُ حَدٍّ. وَالْمَذْكُورُ فِيهِ هُنَا حَدُّ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ. وَقَدْ حَصَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَا قِيلَ بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِهِ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ شَيْئًا؛ فَمِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: الرِّدَّةُ، وَالْحِرَابَةُ - مَا لَمْ يَتُبْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ -، وَالزِّنَا، وَالْقَذْفُ بِهِ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، سَوَاءٌ أَسَكِرَ أَمْ لَا، وَالسَّرِقَةُ."
وَمِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ: جَحْدُ الْعَارِيَةِ، وَشُرْبُ مَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ، وَالْقَذْفُ بِغَيْرِ الزِّنَا، وَالتَّعْرِيضُ بِالْقَذْفِ، وَاللِّوَاطُ وَلَوْ بِمَنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا، وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ، وَالسِّحَاقُ، وَتَمْكِينُ الْمَرْأَةِ الْقِرْدَ وَغَيْرَهُ مِنَ الدَّوَابِّ مِنْ وَطْئِهَا، وَالسِّحْرُ، وَترك الصَّلَاة تكاسلًا، وَالْفطر فِي رَمَضَان، وَهَذَا كُلُّهُ خَارِجٌ عَمَّا تُشْرَعُ فِيهِ الْمُقَاتَلَةُ، كَمَا لَوْ تَرَكَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ وَنَصَبُوا لِذَلِكَ الْحَرْبَ. وَأَصْلُ الْحَدِّ مَا يَحْجِزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَيَمْنَعُ اخْتِلَاطَهُمَا، وَحَدُّ الدَّارِ مَا يُمَيِّزُهَا، وَحَدُّ الشَّيْءِ وَصْفُهُ الْمُحِيطُ بِهِ؛ الْمُمَيِّزُ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ"اهـ."
(2) كما قال فِي"جامع الأصول".