927 -عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:"كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لاَ تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا المُدْيَةَ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
927 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: كَانَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْل قَدْ خَرَجَتَا إلى البَرِيَّةِ وبصحبتهما ابناهما الصَّغِيرَانِ، فَعَدَا الذِّئْبُ على أَحَدِ الطِّفْلَيْنِ وافْتَرَسَهُ، وبَقِيَ الآخَرُ، فادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ منهما أَنَّ الطَّفْلَ الموجود هو ابنها، وأَنَّ الذِّئْبَ إِنَّمَا افْتَرَسَ ابْنَ الأُخْرَى، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى منهما، فَخَرَجَتَا إلى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ وَأَخْبَرَتَاهُ بِقَضِيَتِهِمَا، فَأرَادَ أنْ يَتَوَصَّلَ إلى مَعْرِفَةِ أُمِّهِ الحَقِيقِيَّةِ بِمَا يَتَكَشَّفُ لَهُ مِنْ مَشَاعِرِهَا وعَوَاطِفِهَا،"فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا"فَأَمَّا الْكُبْرَى فَسَكَتَتْ، وأَمَّا الصُّغْرَى فَقَدْ تَحَرَّكَتْ فيها مَشَاعِرَ الأُمُومَةِ وآثَرَتْ أنْ تُسًلِّمَهُ للْكُبْرَى، وأَنْ تُضَحِّي من نَفْسِهَا إبْقَاءً على حَيَاتِهِ، وهو معنى قَوْلُهُ:"فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لاَ تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى"لِمَا رآه من عظيم جزعها الدَّالُّ على وجود عاطفة الأُمُومَةِ فيها، ولَمْ يَكْتَرِثْ بإقْرَارِهَا أنَّهُ ابْن الأخرى لأنَّهُ عَلِمَ أنَّهَا آثَرَتْ حَيَاتِهِ، فَظَهَرَ له من وجود الشَّفَقَةِ فِي الصُّغْرَى وعَدَمِهَا فِي الْكُبْرَى الدَّلِيلَ القَاطِعَ على صِدْقِهَا.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَإِنَّمَا حَكَمَا بِالِاجْتِهَادِ إِذْ لَوْ كَانَ بِنَصٍّ لَمَا سَاغَ خِلَافُهُ، وَهُوَ دَالٌّ على أَنَّ الفِطْنَةَ والفَهْمَ مَوْهِبَةٌ من اللهِ تَعَالَى وَلَا الْتِفَات لقَوْلِ من يَقُولُ: إِنَّ الاجْتِهَادَ إِنَّمَا يَسُوغُ عِنْد