أَيْ: هَذَا كِتَابٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُزَارَعَةِ، وَهِيَ مفاعلة من الزَّرْعِ، ومعناها الشَّرِكَةُ فِي زِرَاعَةِ الأرض وإنتاجها بين المالك والعامل. و"شَرْعًَا"هِيَ: دفع أرض وحب لمن يزرعها ببعض ما يَخْرُجُ منها كَثُلُثِ غلتها أو نصفها، حسب ما يتفقان عليه؛ سواءٌ كانت غلتها طعامًا كالقمح أو الشَّعير، أو غير طعام ٍكالقطن والكِتَّان، شَرِيطَةَ أَنْ تكون البُّذُورِ على المالك.
قال فِي"الإِفْصَاح":"واختلفوا فِي المزارعة وهي أنْ يدفع أَرْضَه البَيْضَاءَ إلى آخر ليزرعها ببعض ما يَخْرُجُ منها بِشَرْطِ أن تكون البذور على المالك؛ فمنعها على هذه الصِّفَةِ أَبُو حَنِيْفَةَ ومالك والشَّافِعِيّ؛ وأَجَازَهَا أحْمَدُ وَحْدَه، وهو مَذْهَب أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ. ثُمَّ اختلفوا فِي الأرض فيها نَخْل: هل تَجُوزُ المزارعة فيها؟ فمنعها أَبُو حَنِيْفَةَ على الإِطلاق، وقال مالك:"إن كان تبعًا للأصول جاز"، وأجازها الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد، إلاّ أنَّ الشَّافِعِيَّ اشْتَرَطَ أنْ يكون البياض فيها يسيرًا"اهـ. وقال فِي"فيض الباري":"وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلاَّ يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَزَارَعَ عَلِىٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِى بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِىٍّ وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِى الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ لاَ بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا فَمَا خَرَجَ فَهْوَ بَيْنَهُمَا، وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِىُّ"اهـ (1) .
(1) "فيض الباري على صحيح البخاري": (باب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ) ج 3 ص 546.