وأخيرًا ختم المصنف رحمه الله تعالى الغزوات بِغَزْوَةِ تَبُوكَ، لأنَّها آخر الغزوات الإِسلامية الكبرى فقال:
1006 - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا، فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ: «أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ، مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1006 - الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إلى تَبُوكَ وحَضَرَهَا بِنَفْسِهِ. وقَدْ وَقَعَتْ تلك الغزوة فِي شَهْرِ رَجَب من السَّنَةِ التَّاسِعَةِ للهِجْرَةِ، الموافق لشهر سبتمبر سنة 630 م حيث يشتد الصَّيف، وتقوى الحرارة، ويلتهب الجو، وتتوقد أشعة الشَّمس، وحيث يقل الزَّاد، وتشح المؤونة. قال فِي"تفسير المنار":"وَكَانَتْ عُسْرَةً فِي الزَّادِ إِذْ كَانَتْ عِنْدَ انْتِهَاءِ فَصْلِ الصَّيْفِ الَّذِي نَفِدَتْ فِيهِ مُؤْنَتُهُمْ، وَأَوَّلَ فَصْلِ الْخَرِيفِ الَّذِي بَدَأَ فِيهِ إِرْطَابُ الْمَوْسِمِ الْجَدِيدِ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ شَيْءٍ مِنْهُ، فَكَانَ يَكْتَفِي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَوِ الِاثْنَانِ بِالتَّمْرَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ التَّمْرِ الْقَدِيمِ وَمِنْهُ الْمَمْدُودُ وَالْيَابِسُ، وَقَدْ تَزَوَّدَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا بِالشَّعِيرِ الْمُسَوَّسِ وَالْإِهَالَةِ الزَّنِخَةِ، وَعُسْرَةً فِي الْمَاءِ حَتَّى كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَعِيرَ عَلَى قِلَّةِ الرَّوَاحِلِ لِيَعْتَصِرُوا الْفَرْثَ الَّذِي فِي كَرِشِهِ وَيَبِلُّوا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ، وَعُسْرَةً فِي الظَّهْرِ حَتَّى كَانَ الْعَشَرَةُ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا وَاحِدًا، وَعُسْرَةً فِي الزَّمَنِ إِذْ كَانَ فِي حِمَارَةِ الْقَيْظِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ"اهـ (1) . فكانت غَزْوَةُ تَبُوكَ عَسِيرَةً حَقًَّا فِي زَمَنِهَا، ولكن لا بد مِمَّا ليس منه بُدٌّ.
قال الحافظ:"وَكَانَ السَّبَبُ فِيهَا مَا ذكره بن سَعْدٍ وَشَيْخُهُ وَغَيْرُهُ قَالُوا: بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الأنباط الَّذين يَقْدُمُونَ بالزيت من الشَّام إلى المدينة أَنَّ الرُّومَ جَمَعَتْ جُمُوعًا وَأَجْلَبَتْ مَعَهُمْ لَخْمَ وَجُذَامَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ مُتَنَصِّرَةِ الْعَرَبِ وَجَاءَتْ مُقَدِّمَتُهُمْ إِلَى الْبَلْقَاءِ فَنَدَبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ وَأَعْلَمَهُمْ بِجِهَةِ غَزَوِهُمْ"اهـ (2) . قال ابن هشام:"وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إلَّا كَنَّى عَنْهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الْوَجْهِ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنَّهُ بَيَّنَهَا لِلنَّاسِ، لِبُعْدِ الشُّقَّةِ، وَشِدَّةِ الزَّمَانِ، وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَصْمُدُ"