ـــــــــــــــــــــــــــــ
1134 - الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وأبو داود والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ.
معنى الحديث: يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ (1) "؛ والمعنى: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ شَخْصٌ نَمَّامٌ يِنْقُلُ الحَدِيثَ من شَخْصٍ إلى شَخْصٍ، أو من جَمَاعَةٍ إلى أُخْرَى بِقَصْدِ الإِفْسَادِ، وغَرْسِ بُذُورِ العَدَاوَةِ والبَغْضَاءِ فِي النُّفُوسِ، فَمَنْ فَعَلَ ذلك مُسْتَحِّلًا لِمَا يَفْعَلُهُ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةِ، ومَنْ فَعَلَهُ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ حَرَامٌ تَحْتَ تَأثِيرِ نَزْعَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ فَهُوَ فَاسِق عَاصٍ، لا يَدْخُلِ الجَنَّةَ حَتَّى يُعَاقَبُ على جَرِيِمَتِهِ هذه بِالنَّارِ، إلاّ أَنْ يَعْفُوَ اللهُ عنه، أوْ يَتُوبَ من جَرِيمَتِهِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أوَّلًا: أَنَّ النَّمِيمَةَ كَبِيرَةٌ من الكَبَائِرِ، لأَنَّ هذا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ لا يَتَرَتَّبُ إلَّا على ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ، وذَلِكَ لأَنَّ"النَّمِيمَةَ"ظَاهِرَةٌ عُدْوَانِيَّةٌ خَطِيرَةٌ تُفَكِّك المَجْتَمَعَ، وتُقَطِّعْ العِلاقَاتِ، وهِيَ وَلِيدَةُ الحِقْدِ والحَسَدِ، ولهذا كان النَّمَّامُ بَغِيضًَا إلى نُفُوسِ العُقَلاءِ مَنْبُوذًَا عِنْدَهُم، لا يَرْتَاحُونَ إليه. وقد روي أَنَّ بَعْضَ الفُضَلاءِ زَارَهُ أَحَدُ هَؤُلاءِ، ونَقَلَ إليه مِنْ غَيْرِهِ مَا شَاءَ من حَدِيثٍ، فَقَالَ:"بِئْسَ مَا صَنَعْتَ! أَتَيْتَنِي بِثَلاثِ جِنَايَاتٍ: بَغَضَّتَ إليَّ أَخِي، وشَغَلْتَ قَلْبِي، واتَّهَمْتَ نَفْسَكَ". وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (2) . وقد وصف النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّمَامين بأنَّهُم شِرَارُ الخَلْقِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خِيَارُ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللهِ الْمَشَّاءُونَ بِالْنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالبَيْهَقِيّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَان» (3) ."
ثَانِيًَا: أَنَّ نَقْلَ الحَدِيثِ إذا تَرَتَّبَ عليه مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ للمَنْقُولِ إليه كإنْقَاذِهِ من قَاتِلٍ، أو لِصٍّ، أو غير ذلك، أو كان فيه مَصْلَحَة للمُسْلِمِينَ، فإنَّهُ يَكُونُ مُسْتَحَبًَّا، أوْ وَاجِبًَا على حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الحَالُ، ولهذا قَالَ البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة:"بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ"فأتى بكلمة مِنْ التَّبْعِيضِيِّةِ ليشير بذلك إلى أنَّ المُحرَّم هو بعض النَّميمة لا كلها، فالكافر المعادي للمُسْلِمين يستحب نقل حديثه إليهم ليأخذوا حذرهم منه، مع أنَّ في ذلك إضرارًا به، وإفسادًا لتدبيره.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على أَنَّ النَّمَّامَ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ، وهذا يَقْتَضِي تَحْرِيمُ النَّمِيمَةِ.
(1) نقل الخطابي عن ابن بطال قوله:"على وزن فَعّال بالتَّشْديد، من قتّ الحديث يَقُتّه قتًّا: إذا تسمّع إلى"