ثانيًا: أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، لأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك وانْعَقَدَ عليه إجْمَاعُ المُسْلِمِينَ ودَلَّتْ عليه الأحَادِيثُ الصَّحِيْحَةُ، فلو أَنْكَرَ اليَوْمَ أَحَدٌ قُرْآنِيَتِهِما كَفَرَ.
والمطابقة: فِي كَوْنِهِ يَدُلُّ على أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ من القُرْآنِ.
(1) قال فِي"فتح الباري"عند (قَوْلُهُ سُورَةُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) :"قَالَ الْبَزَّار:"وَلَمْ يُتَابع بن مَسْعُودٍ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَهُمَا فِي الصَّلَاةِ". قُلْتُ: هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَزَادَ فِيهِ بن حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَفُوتَكَ قِرَاءَتُهُمَا فِي صَلَاةٍ فَافْعَلْ".
وفَضَائِلُ القُرْآنِ: هي المَزَايَا والمَنَافِعُ التي تَتَرَتَّبُ على قِرَاءَتِهِ وسَمَاعِهِ، أو المَزَايَا التي يَخْتَصُّ بِهَا أَهْلُ القُرْآنِ، أو الصِّفَاتِ العَظِيمَةِ التي يَمْتَازُ بِهَا القُرْآنُ عن غيره. وكَمَا أَنَّ القُرْآنَ كِتَابُ هِدَايَةٍ وتَشْرِيعٍ، يُتَعَبَّدُ بِأحْكَامِهِ والعَمَل بِمَا فيه، كذلك هو كِتَابٌ يُتَعَبَّدُ بِتِلاوَتِهِ، وتُنَالُ المَثُوبَةُ والأَجْرُ بِقِرَاءَتِهِ؛ فقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنّهُ قَالَ:"مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ"أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (1) . وهناك فَضَائِل خَاصَّة تتعلّق بآية أو سُوْرة معينة، فَإِنَّ القُرْآنَ يَتَفَاضَلُ بَعْضُهُ عن بَعْضٍ على الأَصَحِّ من أَقْوَالِ أَهْلِ العِلْمِ، لدِلالَةِ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ على ذلك: منها حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} . قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ"أخرجه مسلم.
أمَّا مَعْنَى الأفْضَلِيَّةِ أو التَّفَاضُلِ: فَقَدْ يَكُونُ بِزِيَادَةِ الأَجْرِ والثَّوَابِ، وَقَدْ يَرْجِعُ إلى مَعْنَى الآيَةِ ومَضْمُونَهَا، فَمَا تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الكُرْسِيِّ وسُوَرِ: الْحَشْرِ والإِخْلَاصِ والفَاتِحَةِ من المَعَانِي لا يوجد فِي سُوْرَةِ المَسَدِ مَثَلًا، وقَدْ تَكُونُ الأَفْضَلِيَّةُ مِنْ جِهَةِ أنَّهَا تَحْفَظُ قَارِئهَا كما فِي آيَةِ الكُرْسِيِّ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، أو من جِهَةِ كَوْنَهَا رُقْيَةٌ وشِفَاءٌ كما فِي سُوَرَةِ الفَاتِحَةِ. قال النووي:"قَالَ الْقَاضِي"