(1) "تفسير ابن كثير"ط العلمية:"سُوْرَةُ لُقْمَان"ج 6 ص 318.
الكُسُوفُ وَالخُسُوفُ: ظَاهِرَتَانِ غَرْيِبَتَانِ مُغَايِرَتَانِ للأحوالِ العاديةِ خَارِقَتَانِ للسُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ، تظهر إحداهما فِي الشَّمْسِ والأخرى فِي القَمَرِ، وقد كثر اسْتِعْمَالُ الأُوْلَى فِي الشَّمْسِ والثَّانية فِي القَمَرِ في لغة العرب (وَالكُسُوفُ لغة) التَّغَيُّرِ إلى السَّوَادِ، يقال: كَسَفِتِ الشَّمْسُ إذا اسْوَدَّتْ (والخُسُوفُ لغةً) الذَّهَابُ، يقال: خسف القمر إذا ذهب ضوءه. والمراد بهما شرعًا: احتجاب ضَوْء الشمس، أو ذهاب نور القمر، لسبب من الأسباب التي يخلقها الله فيهما، لفترة محدودة من الزَّمن، وفي الحديث:"إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّهُمَا خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِهِ، وَيُحْدِثُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ، فَأَيُّهُمَا انْخَسَفَ، فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ، أَوْ يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا" (1) قال ابن القيم:"إسْنَادُ هذه الرِّوَايَة لا مطعن فيه، وَهَؤُلَاء كلهم ثِقَات حفاظ لَكِن لَعَلَّ هَذِه اللَّفْظَة: يعني"إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَه"مُدْرَجَة من بعض الرُّواة"وَلِهَذَا لَا تُوجَدُ فِي سَائِر أَحَادِيث الْكُسُوف فقد رَوَاهَا عَن النَّبِي بضعَة عشر صحابيًا فَلم يذكر أحد مِنْهُم هَذِه اللَّفْظَة الَّتِى ذكرت فِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير فَمن هَهُنَا نَخَاف أَنْ تكون أُدْرِجَت فِي الحَدِيث إدراجًا"اهـ (2) . قال التَّاج السُّبكي (3) : (وهو صحيح غير أنَّ إنْكار حديث"إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَه"ليس بجيد فإنَّه مَرْويٌّ فِي النَّسَائيِّ وغيره ولكن تأويلُهُ ظَاهِرٌ فَأيُّ بُعْدٍ فِي أَنَّ العَالِمَ بالجُزْئيَاتِ ومُقَدِّرَ الكَائِنَاتِ سُبْحَانَهُ يُقَدِّرُ فِي أَزَلِ الآزَالِ خُسُوفَهُمَا بِتَوَسُّطِ الأَرْضِ بين القَمَرِ والشَّمْسِ؛ وَوُقُوف جُرْمِ القَمَرِ بَيْنَ النَّاظِرِ والشَّمْسِ ويكون ذلك وقت تَجَلِّيِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليهما فالتَّجَلِّي سَبَبٌ لِكُسُوفِهِمَا"(4) .
(1) قال الحاكم:"هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ"؛ وأخرجه النَّسَائِيّ والطحاوي.
(2) كما أفاده فِي"فيض الباري على صحيح البُخَارِيّ"؛ نقلًا عن شرح السيوطي لسنن النَّسَائي.
(3) تاج الدين السُّبْكي (727 - 771 هـ = 1327 - 1370 م) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر: قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث. ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها. قال في"الأعلام للزركلي":"نسبته إلى سبك (من أعمال المنوفية بمصر) انتهى إليه قضاء في الشام وعزل، وتعصب عليه شيوخ عصره فاتهموه بالكفر واستحلال شرب الخمر"اهـ. وقال في"شذرات الذهب":"وكان ماهرًا في الفقه والحديث والأدب وبرع وشارك في العربية وكان له يد في النظم والنثر جيد البديهة ذا بلاغة وطلاقة لسان وجراءة جنان وذكاء مفرط وذهن وقَّاد صنف تصانيف عدة في فنون على صغر سنه وكثرة أشغاله قرئت عليه وانتشرت في حياته وبعد موته. قال: وانتهت إليه رياسة القضاء والمناصب بالشام وحصلت له محنة بسبب القضاء وأوذي فصبر وسجن فثبت وعقدت له مجالس فأبان عن شجاعة وأفحم خصومه مع تواطئهم"