769 -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ التَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ"، قَالَ:"آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لاَ رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي"، قَالَ: «آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ» قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي القَوْمِ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
769 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيّ.
معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، يُخْبِرُنَا عن حَادِثَتَيْنِ خَارِقَتَيْنِ للعَادَةِ وَقَعَتَا فِي الأزمان الماضية، أمَّا الأُوْلَى: فإنَّه"بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ التَفَتَتْ إِلَيْهِ"، وإذا بالبقرة تتكلم حَقِيقَةً، وتقول بلغة النَّاسِ ولسان البَشَرِ: كيف تركبني مع أنّ الله لَمْ يخلقني للرُّكُوبِ، وإِنَّمَا خَلَقَني لحرث الأرض.
وأمَّا الثَّانية: فقد اختطف الذِّئْبُ شَاةً من الغنم فَتَبِعَهَا الرَّاعِي ليأخذها منه، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: إنْ كنت الآن قد حَمَيْتَ هذه الشَّاةَ مِنِّي، فَسَيَأتِي اليوم الذي لا تَجِدُ فيه الغنم رَاعِيًَا يَحميها من الذِّئَابِ، وذلك قرب قيام السَّاعَةِ. وهو معنى قوله"فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ"أيْ مَنْ يحميها مِنِّي فِي ذلك اليوم الذي تخلو فيه الأرض من البشر، ولا يَبْقَى فيها سِوَى السِّبَاعُ حيث تَخْرُب البلاد، ويهلك العباد ويَفْنَى البشر،"يَوْمَ لاَ رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي"فلا يَبْقَى للغَنَمِ رَاعٍ يَحميها من السِّباعِ والذِّئابِ. وهكذا نَطَقَتْ البَقَرَةُ وتكلم الذِّئْبُ بإذن الله وقدرته،"قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ"أيْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعليقًا على هَاتَيْنِ الحَادِثَتَيْنِ: أَمَّا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَإنَّا قَدْ صَدَّقْنَا بِهَاتَيْنِ الحادِثَتَيْنِ وإنْ كانتا مِنَ الأشياءِ الغريبةِ الخارقةِ للعادةِ المخالفةِ للنُّظُمِ الكَوْنِيَّةِ، لأنَّ الذي خلق هذه النُّظُمِ قَادِرٌ على خَرْقِهَا والقُدْرَةُ الإِلَهِيَّةُ لا يَسْتَعْصِي عليها شَيْءٌ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: قال الحافظ في"الفتح":"اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّوَابَّ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ؛ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا:"إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ"لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُعْظَمِ مَا خُلِقَتْ لَهُ، وَلَمْ تُرِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ اتِّفَاقًا. لِأَنَّ مِنْ أَجَلِّ مَا خُلِقَتْ لَهُ أَنَّهَا تُذْبَحُ وتؤكل بالاتفاق"اهـ، وقد قالت البقرة: لَمْ أُخْلَق لهذا - يعني الرُّكُوب -، وَأَقَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، فَأَصْبَحَ حُجَّةً لما ذكرنا.
ثانيًا: أَنَّ مِنَ الإِيِمَانِ التَّصْدِيقِ بِكُلِّ مَا أخبر به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطْلَقًَا، ولذلك آمَنَ الصِّدِّيقُ والفَارُوقُ بِهَاتَيْنِ الحادِثَتَيْنِ رَغْمَ غَرَابَتِهِمَا لأنَّهُ أخبر عنهما النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ.
ثالثًا: أنَّ البَقَرَ للحَرْثِ لا للرُّكوبِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهَا:"خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ".