فهرس الكتاب
والمطابقة: فِي كَوْنِ التَّرْجَمَةِ جُزْءًَا من الحَدِيثِ.
(1) "عمدة القاري": (بابٌ اقْرَؤُا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ) ج 20 ص 62.
النِّكاحُ (1) لُغَةً: الضَّمُ والتَّدَاخُلُ، ثُمَّ أُطْلِقَ على الوَطْءِ حَقِيقَةً وعلى العَقْدِ مَجَازًَا.
وَفِي حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ. وَاحْتُجَّ لَهُ بِكَثْرَةِ وُرُودِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلْعَقْدِ حَتَّى قِيلَ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِلْعَقْدِ وَلَا يَرِدُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} لِأَنَّ شَرْطَ الْوَطْءِ فِي التَّحْلِيلِ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى تَنْكِحُ تَتَزَوَّجُ أَيْ يُعْقَدُ عَلَيْهَا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ بِمُجَرَّدِهِ، لَكِنْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعَقْدِ مِنْ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ.
وَالثَّالِثُ: حَقِيقَةٌ فِيهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ وَيَتَعَيَّنُ الْمَقْصُودُ بِالْقَرِينَةِ"."
قال الحافظ:"أَفَادَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِلتَّزْوِيجِ إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:"وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ"فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحُلُمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ وَقِيلَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَبِهِ جَزَمَ الزَّجَّاجِيُّ وَهَذَا الَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَظَرِي؛ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْدِ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلَ بِأَنَّ أَسْمَاءَ الْجِمَاعِ كُلَّهَا كِنَايَاتٌ لِاسْتِقْبَاحِ ذِكْرِهِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَسْتَعِيرَ مَنْ لَا يَقْصِدُ فُحْشًا اسْمَ مَا يَسْتَفْظِعُهُ لِمَا لَا يَسْتَفْظِعُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ لِلْعَقْدِ وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُدَّعِي أَنَّهَا كُلَّهَا كِنَايَاتٌ"اهـ (2) .
أمَّا الحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ النِّكَاحِ: فَإنَّهُ لَمَّا كان وُجُودُ الجِنْسَيْنِ وحَاجَةُ كُلِّ منهما إلى الآخَرِ سُنَّةَ الحَيَاةِ، التي أَرَادَها اللهُ، وأوْدَعَ فِي كُلٍّ منهما هذه الغَرِيزَةِ التي تَدْعُوهُ إلى الآخَرِ لِيَتَحَقَّق بذلك بَقَاءُ النَّوْعِ البَشَرِي على هذه الأرض. شُرِعَ له النِّكاح للتَنْفِيسِ عن غَرِيزَتِهِ بِطَرِيقَةٍ سَلِيمَةٍ يَتَسَامَى فيها عن غَيْرِهِ من الحَيَوانَاتِ، لأنَّهُ أَكْرَمُ المَخْلوقَاتِ، وحَقَّقَ بِالنِّكَاحِ مَنَافِعَ عَظِيمَةٍ:
مِنْهَا: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْحَرَامِ وجَرِيمَةِ الزِّنَا مُحَافَظَةً"على أنْسَابِ النَّاسِ، وصِيَانَةً لأَعْرَاضِهِم".