به النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد تم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أراد، فلم يكد ينطق بهذه الكلمة حتى"قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟"أي قالت إحداهن: أيكفرن بالله؟"قَالَ:"يَكْفُرْنَ العَشِيرَ"أي ينكرن نعمة الزَّوْجِ؛"وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ"أي إحْسَانِهِ إليهِنَّ"لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ"أي العمر كله"ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا"واحدًا مما تكره"قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ"أي ما وجدت منك شيئًا ينفعني أو يسرني طيلة حياتي كلها."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ نُكْرَانَ الجَمِيلِ من الكبائر كما أفاده النَّوَوِيّ، ولولا ذلك لما ترتب عليه هذا الوَعِيدُ الشَّدِيدِ، وقد جاء فِي الحديث"إِذا قاَلَتِ المَرْأةُ لِزَوْجِها مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُها"أخرجه ابن عدي وَابْن عَسَاكِر عَن عَائِشَة؛ وهو حديث ضعيف (2) .
ثانيًا: أنَّ هُنَاكَ كُفْرًَا دُونَ كُفْرٍ، ومعناه أنَّ الكفرَ نَوْعَان: كفر يخرج عن الملة، وهو الكفر الاعتقادي. وكفر لا يخرج وهو العملي؛ كجحود نعمة الزَّوج مثلًا.
ثالثًا: ما جُبِلَ عليه أغلب النِّساء من كفران العشير وجحود نعمة الزَّوْجِ، ومن أغرب ما روي في ذلك:
قصة المُعْتَمِدِ بْنُ عَبَّادٍ"صاحب أشبيلية"مع زوجته فقد روي أنّه لما تزوج اليرمكية قضى معها حِينًَا من الدَّهْرِ في سرور وغبطة، وحدث أنْ رأت بعض النِّساء يمشين في الطِّين فاشْتَهَتْ ذلك، فأمر المعتمد فَسُحِقَتْ الطُّيُوبَ. أي فطحنت أنواع الطيب من العود ونحوه، وذُرَّت في ساحة القصر وصُبَّ عليها مَاءَ الوَرْدِ حتى صارت كالطين، فخاضته معِ جواريها. ومرت الأيام فغاضبها المعتمد يومًا، فَأَقْسَمَتْ أنّهَا لَمْ تَرْ منه خيرًا قط! فقال لها: ولا يوم الطين؟! فاستحيت واعتذرت" (3) ."
قال في"البداية والنهاية": ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثلاث وثمانين وأربعمائة: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ يوسف بن تاشفين بعد صَاحِبُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَأَسَرَ الْمُعْتَمِدَ بْنَ عَبَّادٍ وَسَجَنَهُ وَأَهْلَهُ، وَقَدْ كَانَ الْمُعْتَمِدُ هَذَا مَوْصُوفًا بِالْكَرَمِ وَالْأَدَبِ والحلم، حسن السِّيرَةِ وَالْعِشْرَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ، فحزن الناس عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي مُصَابِهِ الشُّعَرَاءُ فَأَكْثَرُوا"اهـ."
وقال في"سير أعلام النبلاء":"ثُمَّ حَاصرُوا إِشبيليَة أَشدَّ حِصَار، وَظَهر مِنْ بَأْس المُعْتَمِدِ وَتَرَامِيه عَلَى الاسْتشهَاد مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ. وَفِي رَجَب سَنَةَ أَرْبَعٍ، هَجَمَ المرَابطون عَلَى البَلَد، وَشَنُّوا الغَارَات، وَخَرَجَ النَّاسُ عَرَايَا، وَأَسَرُوا المعتمِد. قَالَ عبدُ الوَاحِد: برز المعتمِدُ مِنْ قَصْره فِي غلالةٍ (4) بِلاَ درعٍ وَلاَ درقةٍ، وَبِيَدِهِ سَيْفُه، فَرمَاهُ فَارِسٌ بِحربَة أَصَاب الغِلاَلَة، وَضربَ الفَارِس فَتَلَّه، فَولَّتِ المرَابطون."
ثُمَّ وَقتَ العَصرِ، كَرَّتِ البَرْبَرُ، وَظهرُوا عَلَى البلدِ مِنْ وَادِيه، وَرَمَوْا فِيْهِ النَّارَ، فَانقطع العملُ، وَاتَّسَعَ الخَرقُ عَلَى الرَّاقِع بقُدومِ سِيْرِ ابْنِ أَخِي السُّلْطَانِ، وَلَمْ يَتركِ البَرْبَرُ لأَهْل الْبَلَد شَيْئًا، وَنُهِبَتْ قُصُوْر المُعْتَمِدِ، وَأُكْرِهَ عَلَى أَنَّ كَتَبَ إِلَى وَلَدَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَا الحِصْنَيْنِ، وَإِلاَّ قُتِلْتُ، فَدَمِي رهنٌ عَلَى ذَلِكَ، وَهُمَا المُعْتَدُّ، وَالرَّاضِي، وَكَانَا فِي رُنْدَةَ