فهرس الكتاب

الصفحة 938 من 2668

"أَبْوَابُ الِاسْتِسْقَاءِ"

قال الحافظ في"الفتح":"معنى الِاسْتِسْقَاءُ لُغَةً: طَلَبِ سَقْيِ الْمَاءِ مِنَ الْغَيْرِ لِلنَّفْسِ أَوِ الْغَيْرِ؛ وَشَرْعًا: طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ عِنْدَ حُصُولِ الْجَدْبِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ"اهـ (1) . وطلب سَقْيِ المَاء من اللهِ تَعَالَى يكون بِنُزُولِ الأمْطَارِ، أو تَوَفُّرِ مياهِ الأَوْدِيَّةِ والأَنْهَارِ، أوْ بِزِيَادَةِ مَنْسُوبِهَا.

وَقَالَ فِي"مرقاة المفاتيح":"قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ ثَابِتَةٌ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، أَدْنَاهَا مُجَرَّدُ الدُّعَاءِ فُرَادَى أَوْ مَعَ الِاجْتِمَاعِ لَهُ، رَوَى أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ: أَنَّ «قَوْمًا شَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَحْطَ الْمَطَرِ فَقَالَ: اجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ ثُمَّ قُولُوا: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ. فَفَعَلُوا فَسُقُوا» (2) ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اسْتَسْقَى عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بِالدُّعَاءِ بِلَا صَلَاةٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَحْسَنُ هَذَا النَّوْعِ مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ. وَأَوْسَطُهَا: الدُّعَاءُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ نَوَافِلَ، وَفِي كُلِّ خُطْبَةٍ مَشْرُوعَةٍ. وَأَعْلَاهَا: بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ كَمَا يَأْتِي وَيُنْدَبُ تَكْرِيرُ الِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ"اهـ (3) .

والحِكْمَةُ فِيهِ: أَنَّ مُعْظَمَ الكَوارِثِ من قَحْطٍ وَجَدْبٍ وغيرها إِنَّمَا هِيَ نَتِيجَةٌ حَتْمِيَّةٌ للذُّنُوبِ والخَطَايَا. كما قال تَعَالَى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) فَجَعَلَ اللهُ الأَدْعِيَةَ والصَّلَوَاتِ والتَّوْبَةَ وَسَائلَ لِتَكْفِيرِ السَّيئَاتِ وكَشْفِ البَلاءِ. وشُرِعَتْ صَلاةُ الاسْتِسْقَاءِ لما فيها من الاستغفار والعودة إلى الله، والإِنابة إليه، وقد أخبرنا الله عَنْ نُوحٍ أَنَّهُ قال لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) ثُمَّ شُرِعَتْ الصَّدَقَةُ عند الاسْتِسْقَاءِ، لأنَّهَا تُطْفِئ غَضَبَ الرَّبِّ، كما سُنَّ الخُرُوجُ بالعَجَائِزِ والصِّبْيَانِ فِي هَيْئَةٍ رَثَّةٍ لَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لولا عَبَادُ الله رُكَّع وصِبْيَة رُضَّع وبَهَائِم رُتَّع لصُبَّ عَليْكُم العَذَابُ صَبًَّا"أخرجه البَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ، ويُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا"وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ".

(1) "فتح الباري"لابن حجر:"بَابُ الاسْتِسْقَاءِ"ج 2 ص 492.

(2) قال فِي"مجمع الزوائد":"وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: عَامِرُ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ سَعْدٍ «أَنَّ قَوْمًا شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَحْطَ الْمَطَرِ فَقَالَ:"اجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ وَقُولُوا: يَا رَبِّ يَا رَبِّ"وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ إِلَى السَّمَاءِ، فَسَقَوْا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ» . وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ، وَقَوْلُهُ: عَامِرٌ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَامِرِ بْنِ خَارِجَةَ وَضَعَّفَهُ"اهـ.

(3) "مرقاة المفاتيح": [بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ] ج 3 ص 1105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت