292 -عن جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
292 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ.
معنى الحديث: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ؛ ويقول: لقد أخرتُ اليوم صلاة العَصْرِ بسبب قِتَالِ هَؤُلاءِ؛ مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» يعني إذا كُنْتَ قَدْ صَلَّيَتَ العَصْرَ في آخر الوَقْتِ قَبْلَ الغُرُوبِ فَإِنِّي لَمْ أًصَلِّهَا حتى الآن وقد غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ جَابِرٌ:"فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ"أيْ فَصَلَّى العَصْرَ وصليتها معه جماعة بعد الغروب؛ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ الجَمَاعَةِ للصَّلاةِ الفَائِتَةِ، لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ العَصْرَ جَمَاعَةً بعد الغُرُوبِ، قَالَ العَيْنِيُّ: وهذا بالإِجماع، وَشَذَّ الليثُ، فمنع من ذلك.
ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الصَّلاةِ الفَائِتَةِ والحَاضِرَةِ، فَتًقَدَّمْ الفَائِتَةُ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى العَصْرَ ثم المَغْرِبَ، وهو مذهب الجمهور، وقال الشَّافِعِيّ:"لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا، وبه قال ابن القاسم وسحنون والظَّاهِرِيَّةِ". واختلفوا: هل يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِضِيقِ الوَقْتِ؟ فَقَالَ الأكثرون:"لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ عند ضِيقِ الوَقْتِ". وَقَالَ مَالِكٌ:"لا يَسْقُطُ (التَّرْتِيبُ) ؛ وَتُقَدَّمُ الفَائِتَةُ ولو ضَاقَ الوَقْتُ". وقال الحنفية كما في"تبيين الحقائق":" (وَيَسْقُطُ) أَيْ التَّرْتِيبُ (بِضِيقِ الْوَقْتِ وَالنِّسْيَانِ وَصَيْرُورَتِهَا سِتًّا) أَيْ بِصَيْرُورَةِ الْفَوَائِتِ سِتًّا وَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ أَمَّا سُقُوطُهُ بِضِيقِ الْوَقْتِ؛ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَفْوِيتُ الْوَقْتِيَّةِ لِتَدَارُكِ الْفَائِتَةِ وَلِأَنَّهُ وَقْتَ لِلْوَقْتِيَّةِ بِالْكِتَابِ وَوُقِّتَ لِلْفَائِتَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْكِتَابُ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جَازَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقْدِيمِهَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا بِدَلِيلِ حُرْمَةِ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْأَشْغَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَقَدَّمَ الْوَقْتِيَّةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْخَبَرِ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا"اهـ (1) . وأمَّا التَّرْتِيبُ بين الفَوَائِتِ فالأكثرون على وجوبه مع الذِّكْرِ.
والمطابقة: في قوله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ"أيْ صَلَّى بِنَا العصر جماعة.