أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الذَّبَائِحِ وَأَحْكَامِ الصَّيْدِ وَبَيَانِ التَّسْمِيَةِ عِنْد إرْسَالِ الْكَلْبِ على الصَّيْدِ.
وَالذَّبَائِحُ ما ذُكِّيَ من الحَيَوانِ، والذَّكَاةُ الشَّرْعِيَّةُ كما قَالَ الفُقَهَاءُ:"هي ذَبْحُ الحَيَوانِ بِقَطْعِ حُلْقُومَهُ (1) أَوْ مَرِيئَهُ كما فِي الغَنَمِ والبَقَرِ. أو نَحْرِهِ كما فِي الإِبِلِ - وَمَعْنَى"النَّحْرُ": أَنْ يَضْرِبَهَا بِحَرْبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ عُنُقِهَا وَصَدْرِهَا -؛ أو عَقْرُهُ: أي عَقْرُ الحَيَوانِ إذا كان مُتَوَحِّشًَا غير مَقْدُورٍ عليه، واقْتِنَاصِهِ بالسِّلاحِ أو بِالجَوَارِحِ والحَيَوانَاتِ المُعَلَّمَةِ"اهـ. فَالعَقْرُ أو الصَّيْدُ يُسْتَعْمَلُ فِي الحَيَوانَاتِ الوَحْشِيَّةِ غير المَقْدُورِ عليها، كالطيور والظباء وحمر الوحش، وهو ذكاتها، والذَّبح والنَّحر يستعملان في الحيوانات الأليفة المقدور عليها، قال ابن قدامة:"لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ نَحْرُ الْإِبِلِ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ."
قَالَ مُجَاهِدٌ: أُمِرْنَا بِالنَّحْرِ، وَأُمِرَ بَنُو إسْرَائِيلَ بِالذَّبْحِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ فِي قَوْمٍ مَاشِيَتُهُمْ الْإِبِلُ، فَسُنَّ النَّحْرُ، وَكَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ مَاشِيَتُهُمْ الْبَقَرُ، فَأُمِرُوا بِالذَّبْحِ. «وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ بَدَنَةً، وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ"اهـ (2) . قال الحافظ فِي"الفتح":"وَجَوَازُ عَقْرِ الْحَيَوَانِ النَّادِّ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ ذَبْحِهِ كَالصَّيْدِ الْبَرِّيِّ وَالْمُتَوَحِّشِ مِنَ الْإِنْسِيِّ وَيَكُونُ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ مَذْبَحًا فَإِذَا أُصِيبَ فَمَاتَ مِنَ الْإِصَابَةِ حَلَّ أَمَّا الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ فَلَا يُبَاحُ إِلَّا بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ إِجْمَاعًا"اهـ (3) ."
أمَّا الصَّيْدُ فهو فِي الأَصْلِ مصدر: صَادَ يَصِيدُ، ولَكِنَّهُ عُومِلَ هنا مُعَامَلَةَ الأسْمَاءِ فَأُطْلِقَ على الحَيَوانِ المُصَادِ. وتَعْرِيفُهُ شَرْعًَا:"هو اقْتِنَاصُ حَيَوانٍ حَلالٍ مُتَوَحِّشٍ طَبْعًَا غَيْر مَمْلُوكٍ ولا مَقْدُورٍ عليه".
(1) الحلقوم مجرى النفس من الحيوان، والمريء مجرى الطَّعام والشراب منه. قال فِي"المغني": وَأَمَّا الْفِعْلُ فَيُعْتَبَرُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ هَذَا قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ؛ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:" «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ» . وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَتَقْطَعُ الْجِلْدَ وَلَا تَفْرِي الْأَوْدَاجَ، ثُمَّ تُتْرَكُ حَتَّى تَمُوتَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (2) . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَكْمَلَ قَطْعُ الْأَرْبَعَةِ؛ الْحُلْقُومِ، وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ، فَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءُ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ