هكذا ترجم البُخَارِيّ وبَعْضُ الفُقَهَاءِ، ومِنْهُمْ مَنْ تَرْجَمَ بِقَوْلِهِ:"قَصْرُ الصَّلاةِ". وَالقَصْرُ والتَّقْصِيرُ والاقْتِصَارُ بِمعنى واحد، وإنْ كانت تَخْتَلِفُ من حَيْثُ الاشْتِقَاقِ. فَالقَصْرُ: مَصْدَرُ قَصَرْتُ الصَّلاةَ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ. والتَّقْصِيرُ: مَصْدَرُ قَصَّرَتُ الصَّلاةَ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ؛ والأَوَّلُ أَشْهَر اسْتِعْمَالًا.
ومعنى القَصْرُ: كما قال الحافظ:"تَقُولُ: قَصَرْتُ الصَّلَاةَ بِفَتْحَتَيْنِ مُخَفَّفًا قَصْرًا، وَقَصَّرْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ تَقْصِيرًا، وَأَقْصَرْتُهَا إِقْصَارًا؛ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَالْمُرَادُ بِهِ تَخْفيف الرّبَاعِيّة إِلَى رَكْعَتَيْنِ. وَنقل بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا تَقْصِيرَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ، لقوله تعالى:"وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ). وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَصْرِ الْخَوْفُ فِي السَّفَر، ِ وَبَعْضُهُمْ كَوْنُهُ سَفَرَ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنُهُ سَفَرَ طَاعَةٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ فِي كُلِّ سَفَرٍ سَوَاءٌ كَانَ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً"اهـ (1) ."
قال فِي"بداية المجتهد":"أَفْضَلُ، وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَالْكُوفِيُّونَ بِأَسْرِهِمْ (أَعْنِي أَنَّهُ فَرْضٌ مُتَعَيَّنٌ) . وَبِالثَّانِي قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَبِالثَّالِثِ (أَعْنِي أَنَّهُ سُنَّةٌ) قَالَ مَالِكٌ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ. وَبِالرَّابِعِ (أَعْنِي أَنَّهُ رُخْصَةٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ."
اخْتِلَافُهُمْ فِي نَوْعِ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ: فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى السَّفَرِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَحْمَدُ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ دُونَ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (2) . وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ فِي كُلِّ سَفَرٍ قُرْبَةً كَانَ أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَعْصِيَةً؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ أَوْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ لِدَلِيلِ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اعْتَبَرَ الْمَشَقَّةَ أَوْ ظَاهِرَ لَفْظِ السَّفَرِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سَفَرٍ وَسَفَرٍ. وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ دَلِيلَ الْفِعْلِ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي السَّفَرِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَقْصُرْ قَطُّ إِلَّا فِي سَفَرٍ مُتَقَرَّبٍ بِهِ» . وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْمَعْصِيَةِ فَعَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ"اهـ (3) ."
والحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ القَصْرِ: الرِّفْقُ بِالمُسَافِرِ، ومُرَاعَاةُ ظُرُوفِهِ الصَّعْبَةِ، والتَّخْفِيفُ عنه؛ لما يلاقيه فِي سَفَرِهِ من المشقة، والمعاناة، والمكاره، والأخطار، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:"الْعَذَابُ قِطْعَةٌ مِنْ السَّفَرِ".
وَلَمْ تُقْصَرْ الثُّلاثِيَّةُ لأنَّهَا لا تَقْبَلُ القِسْمَةَ، ولا الثُّنَائِيَّةُ لأنَّهَا تَصِيرُ فَذَّةً. والشَّارِعُ لا يأمر بِالفَذِّ، وَلأَنَّهَا فِي ذَاتِ نَفْسِهَا قَصِيرَةٌ، فلا حَاجَةَ إلى تَقْصِيرِهَا، والمُصَغَّرِ لا يُصَغَّرُ. ويُسْتَحَبُّ التَّخْفِيفُ فِي السَّفَرِ من السُّنَنِ والمُسْتَحَبَّاتِ، وعَدَمُ تَطْوِيلِ الصَّلاةِ، وتَخْفِيفُ القِرَاءَةِ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ، والله أعلم.