فهرس الكتاب

الصفحة 1193 من 2668

"كِتَابُ الْحَجِّ"

أي هذا باب يذكر فيه الأحاديثَ الدَّالةِ على وُجُوبِ الحَجِّ ... إلخ.

والحَجُّ لُغَةً: كما قال الخليل هو"كَثْرَةُ القَصْدِ إلى مَنْ تُعَظِّمُه".

وشَرْعًَا: قَصْدُ البَلَدِ الحَرَامِ لأداء عبادة الطَّوَافِ والسَّعْيِّ والوقوف بعرفة، وسَائِرَ المَنَاسِكِ استجابة لأمرِ اللهِ تَعَالى مُحْرِمًا بنيّة الحَجِّ. والمختار عند الجُمْهُوُر أنّه شُرِعَ في السَّنَة السَّادِسَة من الهجرة لأنَّها هي السَّنَة التي نزل فيها قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) بناءً على أنَّ المراد بالإِتْمَامِ"إقامة الحَجِّ"ويؤيده قراءة علقمة، ومسروق والنَّخْعي:"وأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ"رواه الطَّبَرَانِيّ بسند صحيح. وقال فِي"فيض الباري":"العلماءَ اختلفوا فِي السَّنَةِ التي فرض فيها الحَجُّ على أقْوَالٍ: فقيل: سَنَةَ خَمْسٍ، حكاه الوَاقِدِيُّ. وقيل: سَنَةَ سِتٍّ. وقيل: ثَمَانٍ. وقيل: سَنَةَ تِسْعٍ، ولِكُلٍّ مِنْهُم مُسْكَةً تَمَسَّكُوا بِهَا"اهـ (1) ؛ ورَجَّح ابن القيم افتراض الحَجِّ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ أَوْ العَاشِرَةِ؛ حيث قال:"فَإِنَّ فَرْضَ الْحَجِّ تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، فَإِنَّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ وَإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ تَأْخِيرُ نُزُولِ فَرْضِهِ إِلَى التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ عَامَ الْوُفُودِ، وَفِيهِ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَالْجِزْيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ وَفِيهَا نَزَلَ صَدْرُ سُوْرَةِ آلِ عِمْرَانَ"اهـ (2) .

أمَّا كيفية حَجِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد ذكرها ابن القيم رحمه الله فِي"زاد المعاد"بالتَّفْصِيلِ كما يلي:

"وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد خرج يوم السَّبْتِ بعد أنَّ صلّى الظُّهر بالمدينة أربعًا، وسار إلى ذي الحُلَيْفَة، فأحرم منها قارنًا ملبيًا، ثُمَّ نَهَضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ نَزَلَ بِذِي طُوًى، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِآبَارِ الزَّاهِرِ، فَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَصَلَّى بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ مِنْ يَوْمِهِ، وَنَهَضَ إِلَى مَكَّةَ، فَدَخَلَهَا نَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى الْحَجُونِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَذَلِكَ ضُحًى. وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ، أَنَّهُ دَخَلَهُ مِنْ بَابِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ الْيَوْمَ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَانًا مِنْ دَارِ يَعْلَى، اسْتَقَلَّ الْبَيْتَ فَدَعَا. فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ عَمَدَ إِلَى الْبَيْتِ، وَلَمْ يَرْكَعْ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ. فَلَمَّا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، اسْتَلَمَهُ وَلَمْ يُزَاحِمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَنْهُ إِلَى جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ ثُمَّ انْفَتَلَ عَنْهُ وَجَعَلَهُ عَلَى شِقِّهِ بَلِ اسْتَقْبَلَهُ، وَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَرَمَلَ فِي طَوَافِهِ هَذَا الثَّلَاثَةَ الْأَشْوَاطَ الْأُوَلَ، وَكَانَ يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ، وَيُقَارِبُ بَيْنَ خُطَاهُ، وَاضْطَبَعَ (2) بِرِدَائِهِ، فَجَعَلَ طَرَفَيْهِ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ، وَأَبْدَى كَتِفَهُ الْأُخْرَى وَمَنْكِبَهُ، وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، أَشَارَ إِلَيْهِ أَوِ اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنِهِ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت