قال فِي"التمهيد لما في الموطأ":"وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ مَعَانِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ وَهُوَ جَوَازُ (مَنْ صلى) (ج) صَلَاةَ الصُّبْحِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوِ الْعَصْرِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِمَّنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ قَالَ الْكُوفِيُّونَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ صَلَاةً عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ قِيامِ قَائِمِ الظَّهِيرَةِ ولا عند غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ غَيْرَ عَصْرِ يَوْمِهِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَهَا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِهِ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى وَقْتٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ. قَالُوا: وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ فَلَمْ يُكْمِلْهَا حَتَّى طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَطَلَتْ عَلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ. وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ فَاصْفَرَّتِ الشَّمْسُ أَتَمَّهَا إِذَا كَانَتْ عَصْرَ يَوْمِهِ خَاصَّةً؛ وَاحْتَجُّوا لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِحَدِيثِ الصُّنَابِحِيِّ وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِّ عَنْ الصَّلاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَعِنْدَ اسْتِوَائِهَا، وَجَعَلُوا نَهْيَهُ عَنْ الصَّلاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ نَهْيَ عُمُومٍ كَنَهْيهِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْر، ِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا فَرْضًا مِنْ صِيَامٍ وَلَا يُتَطَوَّعُ بِصِيَامِهَا وَهَذَا إِجْمَاعٌ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ نَهْيُهُ عَنْ الصَّلاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَاسْتِوَائِهَا يَقْتَضِي صَلَاةَ النَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ."
وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أنَّ حَدِيثَ هَذَا الْبَابِ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نَامَ عَنْ الصَّلاةِ وَاسْتَيْقَظَ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى ارْتَفَعَتْ. قَالُوا: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ الصَّلاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ، فَذَكَرُوا حَدِيثَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ رَجُلٍ مَنْ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ:"أَنَّهُ نَامَ عَنِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: فَقُمْتُ أَصَلِّي فَدَعَانِي فَأَجْلَسَنِي - أَعْنِي كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ - حَتَّى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ، ثُمَّ قَالَ: قُمْ فَصَلِّ"، وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ وَالثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ:"أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ أَتَاهُمْ فِي بُسْتَانٍ لَهُمْ فَنَامَ عَنِ الْعَصْرِ قَالَ: فَرَأَيْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى فَقَامَ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ".
قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَمَّا الْخَبَرُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ مِنْ وَلَدِهِ! وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ: فَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي عَصْرِ يَوْمِهِ وَيَرَوْنَ جَوَازَ ذَلِكَ!! وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ السُّنَّةَ لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةٌ مِثْلُهَا وَلَا تُنْسَخُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ (غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ باتباعه ومَحْظُورٌ من مُخَالَفَتِهِ) (أ) وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا أَوْ فَاتَتْهُ بأيِّ سَبَبٍ كَانَ فَلْيُصَلِّها بَعْد الصُّبْحِ وبَعْد العَصْرِ وَعِنْدَ الطُّلُوعِ وَعِنْدَ الِاسْتِوَاءِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ ذَكَرَهَا فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ:"صَلِّهَا حِينَ تَذْكُرُهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ تُكْرَهُ فِيهِ الصَّلَاةُ". وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: َ"مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فقد أدرك الْعَصْرَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ"