808 -ترجمة الحديث بَرِيرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ: مَوْلَاةُ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم. عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا مَمْلُوكًا لِبَنِي الْمُغِيرَةِ يُدْعَى مُغِيثًا. فَلَمَّا أُعْتِقَتْ خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَشَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيَّ؟ قَالَ: لا إِنَّمَا أشفع له. قالت: فلا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَكُنْتُ أَرَاهُ، يَعْنِي زَوْجَهَا يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَعْصِرُ عَيْنَيْهِ عَلَيْهَا. رَوَتْ عَنْهَا عَائِشَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعُرْوَةُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ. عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ بَرِيرَةَ قَبْلَ أَنْ أَلِيَ الْأُمَّةَ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ، إِنِّي أَرَى فِيكَ خِصَالًا خَلِيقٌ أَنْ تَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ، فَإِنْ وُلِّيتَهُ فَاحْذَرِ الدِّمَاءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْفَعُ عَنْ بَابِ الجَنَّة، بَعْدَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا بِمَحْجَمَةٍ مِنْ دَمٍ مُسْلِمٍ يُهْرِيقُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ في الكبير.
الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.
معنى الحديث: أَنَّ بَرِيرَةَ كانت أَمَةٌ مَمْلُوكَة لبِعْضِ الأَنْصَارِ، فكاتبها أهلها على أنْ تَجْمَعَ ثَمَنَهَا، وتدفعه إليهم على أقْسَاطٍ مؤجلةٍ، تنتهي كلها فِي زَمَنٍ مُحَدَّدٍ، فإذا أَدَّتْ ما عليها كَانَتْ حُرَّةً، فَأَتَتْ إلى عَائِشَةَ تسألها مَعْوُنَةً مَالِيَّةً تساعدها على هذه المكاتبة،"قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لِي، فَعَلْتُ"؛ فطلبت منها عَائِشَةُ أَنْ ترجع إلى أهلها وتعرض عليهم موافقتها على أنْ تَدْفَعَ لَهُم جَمِيعَ المال الذي كاتبوها عليه، على أنْ يكون الوَلاءُ لها؛ والوَلاءُ هو وراثة العَبْدِ أو الأَمَةِ بعد وفَاتِهِما."فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا"أي فرفضوا ذلك"وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ، فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لَنَا"أي إنْ أَرَادَتْ أَنْ تعينك تَفَضُّلًا وتَكَرُّمًَا وتحتسب أجرها ومثوبتها عند الله، ويكون ميراثك لنا، فلتفعل، وإلّا فلا!"فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ابْتَاعِي، فَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» "أيْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اشْتَرِي بَرِيرَةَ وأَعْتِقِيهَا ولا تُبَالِي بِالشَّرْطِ الذي اشْتَرَطُوهُ لأَنْفُسِهِم، فإنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ غير نَافِذٍ شَرْعًَا، لأنَّ ميراث العبد أو الأَمَةِ لِسَيِّدِهِ الذي أعتقه أو لِسَيِّدِهَا الذي أعتقها.
"ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي قام فِي النَّاسِ خطيبًا"فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟!"أي ليست موافقة لأحكام الله تعالى،"مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ"أي مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا مُخَالِفًَا لِحُكْمِ اللهِ فإنَّه بَاطِلٌ لا ينفذ شَرْعًَا،"شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ"أي شرط الله أولى بتنفيذه والعمل به من شروط النَّاسِ،