(5) "التمهيد لما فِي الموطأ":"الحديث الرابع"ج 2 ص 62.
والفَضَائِلُ: جَمْعُ فَضِيلَةٍ، مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِم: أَفْضَلَ عَلَيْهِ أيْ زَادَ عَلَيْهِ، فَهِيَ إِذَنْ زَيَادَةُ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ فِي فِعْلِ خَيْرٍ أَوْ صِفَةٍ حَمِيدَةٍ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الخُصُوصِيَّةِ التي يَنْفَرِدُ بِهَا الشَّيْءُ عَنْ غَيْرِهِ."وَالْمَدِينَةُ عَلَمٌ عَلَى الْبَلْدَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُفِنَ بِهَا. فَإِذَا أُطْلِقَتْ تَبَادَرَ إِلَى الْفَهْمِ أَنَّهَا الْمُرَادُ وَإِذَا أُرِيدَ غَيْرُهَا بِلَفْظَةِ الْمَدِينَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدٍ فَهِيَ كَالنَّجْمِ لِلثُّرَيَّا وَكَانَ اسْمُهَا قَبْلَ ذَلِكَ يَثْرِبَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:"وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ". وَيَثْرِبُ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ مِنْهَا سُمِّيَتْ كُلُّهَا بِهِ قِيلَ سُمِّيَتْ بِيَثْرِبَ بْنِ قَانِيَةَ مِنْ وَلَدِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ نَزَلَهَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ثُمَّ سَمَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَيْبَةَ وَطَابَةَ"اهـ (1) .
وفَضَائِلُ المَدِينَةِ (2) : هي المزايا والمحاسن الخاصة التي انفردت بِهَا عن غيرها وامتازت بِهَا عن سواها. ومن فضائلها كثرة أسمائها، فإنَّ كَثْرَةَ الأَسْمَاءِ تَدُلُّ على شَرَفِ المُسَمَّى. قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي"الْحُجَجِ الْمُبَيَّنَةِ": الْمُخْتَارُ الْوَقْفُ عَنِ التَّفْضِيلِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ بَلِ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ؛ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا تَأَمَّلَ ذُو الْبَصِيرَةِ لَمْ يَجِدْ فَضْلًا أُعْطِيَتْهُ مَكَّةُ إِلَّا وَأُعْطِيَتِ الْمَدِينَةُ نَظِيرَهُ وَأَعْلَى مِنْهُ، وَجَزَمَ فِي خَصَائِصِهِ بِأَنَّ الْمُخْتَارَ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا عَدَا الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ أَفْضَلُ إِجْمَاعًا مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَيَلِيهَا الْكَعْبَةُ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، كَمَا قَالَ الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ، وَإِلَيْهِ يُومِئُ كَلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"اهـ."
قال السَّمْهُودِيُّ: (وأجمعوا على تفضيل مَكَّة والمدينة على سائر البلاد، واختلفوا أيهما أفضل؟: فذهب عمر بن الخطاب وابنه ومالك ابن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، واستثنى بعضهم فقال:"محل الخلاف فِي غير الكعبة المشرفة") اهـ (3) . واستدلوا على تفضيل المدينة بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّة أَوْ أَشَدَّ"؛ وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّة مِنَ البَرَكَةِ"أَخْرَجَهُما البُخَارِيّ. وقد استجاب الله دعوة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصارت أحب بقاع الأرض إلى نَفْسِهِ. وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُحِبُّ إلاّ ما أَحَبَّهُ اللهُ، ولا يفضل إلاّ ما فضله الله، ثُمَّ إنَّ الله قد اختارها مهاجرًا لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعلها له مسكنًا وقرارًا، وافترض عليه المقام بِهَا، وَحَثَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سكناها، ووصفها بالأفضلية المطلقة على سائر بلاد الله، فقال:"الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم؛ وتَمَنَّى المَوْتَ بِهَا؛ فكَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَّة قَالَ:"اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا حَتَّى تُخْرِجَنَا مِنْهَا"أَخْرَجَهُ أحمد (4) ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا عَلَى الأَرْضِ بُقْعَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا"أي من المدينة رواه مالك مرسلًا (5) .