أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يَخُصُّ الشَّخْص الَّذِي يُرِيد الصَّوْم شَيْئًا من الْأَيَّام. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: هَل يُخَصُّ شَيْءٌ، على صِيغَة بِنَاء الْمَجْهُول، وَإِنَّمَا لم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام الَّذِي هُوَ الحكم لِأَنَّ ظَاهر حَدِيث الْبَاب يدل على عدم التَّخْصِيص؟
712 -عَنْ عَلْقَمَة قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"هَلْ كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَخْتَصُّ مِنَ الأَيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ:"لاَ، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ"."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
712 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيّ.
معنى الحديث: أنَّ علقمة راوي الحديث سأل عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فقال لها:"هل كَانَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخص من الأيّام شيئًا؟ قالت: لا"قَالَ العَيْنِيُّ: معناه، أنَّه كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يخصُّ شيئًا من الأيام دائمًا، ولا راتبًا، إلاّ أنَّه كَانَ أكثر صيامه في شعبان وقد حَضَّ على صوم الاثْنَيْنِ والخَمِيس، لكن صومه على حسب نشاطه، فربما وافق الأيام التي رغب، وربما لم يوافقها"كان عمله دِيْمًة"بكسر الدال وسكون الياء، أي دائمًا لا ينقطع، ومن ذلك قيل للمطر الذي يدوم ولا ينقطع أيامًا"الدِّيِمَة".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: ظاهر هذا الحديث أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كَانَ يخص بعض الأيام من الشَّهر بالصِّيام، قال الشَّرْقَاوِيُّ: وَيُشْكِل عليه (1) صوم الاثْنَيْنِ والخَمِيس الوارد عند أبِي داود والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابن حِبَّان. وأجاب فِي"فتح الباري":"لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَكَأَنَّ السَّائِلُ لَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَرَغِبَ فِي أَنَّهَا تَكُونُ أَيَّامَ الْبِيضِ سَأَلَ عَائِشَةَ: هَلْ كَانَ يَخُصُّهَا بِالْبِيضِ؟ فَقَالَتْ: لَا. كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً - تَعْنِي لَوْ جَعَلَهَا الْبِيضَ لَتَعَيَّنَتْ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ دَائِمًا لَكِنْ أَرَادَ التَّوَسُّعَةَ بِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا فَكَانَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ صَامَهَا"اهـ (2) . ويُحْتَمَلُ"أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لا يواظب على صيام شَيْءٍ من الأيام دائمًا وأبدًا، أو يلتزم بصيامه التزام الفرائض، بحيث لا يتركه أبدًا، وإِنَّمَا كَانَ يصوم بعض الأيّام غالبًا، ويترك صيامه أحيانًا؛ وهو ما أشار إليه العيني."
ثانيًا: استدل به بعض أهل العلم على أنَّهُ يُكْرَه أنْ يَتَحَرَّى بصيامه يومًا معينًا من الأسبوع؛ قلت: ولكن يستثنى من ذلك الاثْنَيْنِ والخَمِيس، لورود النَّصِّ فيهما.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحديث جوابًا للترجمة.
(1) "فتح المبدي شرح مختصر البُخَارِيّ"للزبيدي ج 2.