الأَذَانُ لُغَةً: الإِعْلامُ بالشَّيْءِ مُطْلَقًَا بَوَاسِطَةِ نِدَاءٍ يَصِلُ إلى مَسَامِعِ النَّاسِ. وأصله النِّدَاءُ المَسْمُوعِ بالأُذُنِ، من قولهم: آذَنْتُهُ، بِالْمدِّ وَفتح الْمُعْجَمَة بعدها نون أَيْ: أعلمته من الإيذان، أي إعلام وهو فعال بمعنى الإفعال أي إيذان كالأمان والعطاء، كما فِي"تفسير الألوسي".
وأما الأَذَانُ شَرْعًَا: فهو الإعلامُ بدخول وَقْتِ الصَّلاةِ بالألفاظ المعروفة. وشُرِعَ الأَذَانُ في السَّنَةِ الأولى من الهِجْرَةِ. وأمَّا كيفية بدء الأذان فَسَتَأْتِي فِي الحَدِيثِ القَادِمِ. وحُكْمُهُ: أنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عند الشَّافِعِيّ ومالك وأبي حنيفة، وفَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْد أحْمَدَ، إلاّ أذان الجُمُعَةِ فِإنَّهُ فَرْضٌ اتِّفَاقًَا.
ويُشْتَرَطُ فِي المُؤذِنِ: الإِسْلامُ والذُّكُورَةُ والعَقْلُ. قال ابن قدامة:"وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا".
قال فِي"شرح منتهى الإرادات":" (وَشُرِطَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ: فِي الْمُؤَذِّنِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ (كَوْنُهُ مُسْلِمًا) فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ كَافِرٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ. وَكَوْنُهُ (ذَكَرًا) فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ أُنْثَى وَخُنْثَى. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، كَالْحِكَايَةِ. وَكَوْنُهُ (عَاقِلًا) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَبَصِيرًا أَوْلَى) بِالْأَذَانِ مِنْ أَعْمَى. لِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَنْ يَقِينٍ، بِخِلَافِ الْأَعْمَى. فَرُبَّمَا غَلِطَ فِي الْوَقْتِ"اهـ (1) . قال ابن قدامة:"فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ ذَكَرٍ، فَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ. وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ، فَأَشْبَهَتْ الْمَجْنُونَ، وَلَا الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَالْبُلُوغُ لِلِاعْتِدَادِ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِي الصَّبِيِّ، وَوَجْهَيْنِ فِي الْفَاسِقِ: إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ صَبِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِقَوْلِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ. وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ» ."
وَالثَّانِيَةُ: يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤَذِّنَ لَهُمْ وَأَنَا غُلَامٌ، وَلَمْ أَحْتَلِمْ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ شَاهِدٌ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ. وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ وَلَا يَخْفَى، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَاعْتُدَّ بِأَذَانِهِ، كَالْعَدْلِ الْبَالِغِ"اهـ (2) . وقال فِي"الفقه على المذاهب الأربعة":"ولا يُشْتَرَطُ فِي المُؤذِّنِ أنْ يكون بالغًا بل يَصِحُّ أذان الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، سواء أذَّن بنفسه أو اعتمد في أذانه على مؤذن بالغ باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فقالوا كما في"مواهب الجليل":"ظَاهِرُهُ أَنَّ أَذَانَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لَا يَصِحُّ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؛ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَة. وَقِيلَ: يَصِحُّ مُطْلَقًَا؛ رَوَاهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْحَاوِي."
وَقِيلَ: يَصِحُّ إنْ كَانَ مَعَ النِّسَاءِ وَفِي مَوْضِعٍ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ. وَذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ رَابِعًا وَعَزَاهُ لِلَّخْمِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ أَذَانُهُ إذَا كَانَ ضَابِطًا وَأَذَّنَ تَبَعًا لِبَالِغٍ"اهـ (3) . ويُسْتَحَبُّ فيه أنْ يكون صَيِّتًَا بَصِيرًَا."