ثانيًا: مشروعية الاعْتِدَالِ بعد الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وهو سُنَّة عند مالكٍ وأبي حنيفة، فرض عند الشَّافِعِيّ وأحمد، وقد تَقَدَّمَ الكلام على الاطْمِئْنَانِ والاعتدال فِي باب وجوب القراءة للإمام.
ثالثًا: أنَّ مُدَّةَ الاطْمِئْنَانِ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ متساوية تقريبًا، وكذلك الاعْتِدَالَ بعد الرُّكُوعِ؛ وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.
والمطابقة: في كون الحديث يُشْعِرُ بأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَمْكُثُ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وبَعَدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ مُدَّةً تزيد على حقيقة الرُّكُوعِ والسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وهذا المَكْثُ الزَّائِدِ هو معنى الاعْتِدَالَ والاطْمِئْنَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
362 -عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:"كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
362 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ (1) رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ"أي كان يذكر الله تعالى فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بهذه الصِّيْغَةِ الجًامِعَةِ للتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وَيَخْتِمُ بِطَلَبِ الغُفْرَانِ. وهو أنْ يعفو الله عن عبده، ولا يؤاخذه بذنبه ويصونه من عذابه.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ الذِّكْرِ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ بالتَّسْبيحِ والتَّحْمِيدِ، واختلفوا فِي حكمه، فقالت الظاهرية: الذِّكْرُ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ وَاجِبٌ، وقال الجمهور:"سُنَّةٌ". قال فِي"التمهيد لما في الموطأ":"وَاخْتَلَفَتِ الْفُقَهَاءُ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ قَوْلَ النَّاسِ فِي الرُّكُوعِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَأَنْكَرَهُ وَلَمْ يَجِدْ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُعَاءً مُؤَقَّتًا وَلَا تَسْبِيحًا وَقَالَ: إِذَا أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يَقُولُ فِي الرُّكُوعِ"سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"وَفِي السُّجُودِ"سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى"ثَلَاثًا) اهـ (2) . فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» فَلَمَّا نَزَلَتْ (سَبِّحِ اسْمَ رَبك الْأَعْلَى) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» الحَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (3) ."