قال الحافظ:"أَيْ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ. وَالْعُمْرَى: مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَمْرِ؛ وَالرُّقْبَى بِوَزْنِهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُعْطِي الرَّجُلَ الدَّارَ وَيَقُولُ لَهُ:"أَعْمَرْتُكَ إِيَّاهَا أَيْ أَبَحْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمُرِك"؛ فَقِيلَ لَهَا عُمْرَى لِذَلِكَ. وَكَذَا قِيلَ لَهَا رُقْبَى:"لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَتَى يَمُوتُ الْآخَرُ لِتَرْجِعَ إِلَيْهِ؛ وَكَذَا وَرَثَتُهُ فَيَقُومُونَ مقَامه فِي ذَلِك؛ هَذَا أَصْلهَا لُغَة. وَأما شَرْعًا: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَى إِذَا وَقَعَتْ كَانَتْ مِلْكًا لِلْآخِذِ وَلَا تَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ؛ إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ الْعُمْرَى؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا إِلَى مَا يَتَوَجَّهُ التَّمْلِيكُ؟ فَالْجُمْهُورُ:"أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُعَمَّرُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ نَفَذَ بِخِلَافِ الْوَاهِبِ. وَقِيلَ:"يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَعَمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَصْلِهَا وَأَطْلَقَ الْجُعْلَ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَصِيرُ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَلَا يَرَى أَنَّهَا عَارِيَّةٌ"اهـ."
وقال الحافظ:"تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِالرُّقْبَى وَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا الْحَدِيثَيْنِ الْوَارِدَيْنِ فِي الْعُمْرَى وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُمَا مُتَّحِدَا الْمَعْنَى؛ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَمَنَعَ الرُّقْبَى: مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ؛ وَوَافَقَ أَبُو يُوسُفَ الْجُمْهُورَ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاءٌ"اهـ (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
818 -قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:"قَضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالعُمْرَى، أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
718 -"بَابُ مَا قِيلَ فِي العُمْرَى وَالرُّقْبَى"
818 -ترجمة راوي الحديث أَبُو نُعَيْمٌ (الفَضْلُ بنُ دُكَيْن التَّيْمِيّ، الطَّلحيُّ، الْقُرَشِيّ) : قال فِي"سير أعلام النُّبلاء":"هو الحَافِظُ الكَبِيْرُ، آخر الْأَئِمَّة الْحُفَّاظِ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بنُ دُكَيْن؛ الفَضْلُ بنُ عَمْرِو بنِ حَمَّادِ بنِ زُهَيْرِ بنِ دِرْهَمٍ، مَوْلاَهُمْ، الكُوفِيّ، المُلاَئِيُّ، الأَحْوَلُ، مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ التَّيْمِيّ. قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُلاعِبٍ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ يَقُوْلُ: وُلِدْتُ فِي آخِرِ سَنَةِ ثَلاَثِيْنَ وَمائَةٍ، وَكَانَ شَرِيْكًا لِعَبْدِ السَّلاَمِ بنِ حَرْبٍ المُلاَئِيِّ، كَانَا فِي حَانُوْتٍ بِالكُوْفَةِ، يَبِيْعَانِ المُلاَءَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَانَ كَذَلِكَ غَالِبُ عُلَمَاءِ السَّلَف، إِنَّمَا يُنْفِقُوْنَ مِنْ كَسْبِهِمْ". وَدُكَيْن: هُوَ وَالِد أبي نعيم. عن يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قال: اسْم دُكَيْن عَمْرو. ودُكَيْن لقبٌ لُقِّبَهُ بكلب