قال الطبري:"الْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وَالْيَمِينُ الْحِلْفُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا تَحَالَفَتْ أَوْ تَعَاقَدَتْ أَخَذَ الرَّجُلُ يَمِينَ صَاحِبِهِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ كَثُرَ ذلك حتَّى سُمِّيَ الْحِلْفُ وَالْعَهْدُ نَفْسُهُ يَمِينًا. وَقِيلَ: يَمِينٌ فَعِيلٌ مِنَ الْيُمْنِ، وَهُوَ الْبَرَكَةُ، سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَحْفَظُ الْحُقُوقَ. وَيَمِينٌ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَتُجْمَعُ أَيْمَانٌ وَأَيْمُنٌ، قَالَ زُهَيْرٌ: فَتُجْمَعُ أَيْمُنٌ منا ومنكم".
واليَمِينُ لُغَةً: يُطْلَقُ على مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
مِنْهَا: القُوَّةُ النَّافِذَةُ، واليَدُ اليُمْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ(7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا).
ومِنْهَا: الْقَسَمُ والحَلِفُ الشَّرْعِيُ، وهو المَقْصُودُ باليَمِينِ شَرْعًَا.
واليَمِينُ شَرْعًَا: هو تَأْكِيدُ الفِعْلِ أو التَّرْكِ، أو الخَبَرِ؛ بِذِكْرِ الشَّيْءِ المُعَظَّمِ فِي النَّفْسِ؛ الذي يَشْعُرُ الحَالِفُ نَحْوَهُ بِالتَّعْظِيمِ المُطْلَقِ، وغَايَةِ الخَوْفِ والخَشْيَةِ مِنْهُ إِنْ خَالَفَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. ولا يَكُونُ اليَمِينُ إلاّ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ تَعَالَى، أوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ إِذْ لا يَجُوزُ الحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ، لأَنَّ الْحَلِفَ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الْمَحْلُوفِ بِهِ تَعْظِيمًَا مُطْلَقًَا، والخَوْفِ والخَشْيَةِ مِنْهُ، وهِيَ لا تَكُونُ إلاّ للهِ تَعَالَى. قال الحافظ:"وَأَمَّا الْيَمِينُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ الْمَنْعُ فِيهَا وَهَلِ الْمَنْعُ للتَّحْرِيم قَولَانِ عِنْد الْمَالِكِيَّة كَذَا قَالَ بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمُ الْكَرَاهَةُ وَالْخِلَافُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَكِنِ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمُ التَّحْرِيمُ وَبِهِ جزم الظَّاهِرِيَّة وَقَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ بِالْإِجْمَاعِ وَمُرَادُهُ بِنَفْيِ الْجَوَازِ الْكَرَاهَةُ أَعَمُّ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّنْزِيهِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْحَلِفُ بِهَا. وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مَعْصِيَةٌ فَأَشْعَرَ بِالتَّرَدُّدِ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْكَرَاهَةِ"اهـ (1) .
وأقْسَامُ اليَمِينِ ثَلاثَةٌ: (أ) يَمِينُ اللَّغْوِ. (ب) اليَمِينُ المُنْعَقِدَةُ. (جـ) اليَمِينُ الغُمُوسُ.
أمَّا اليَمِينُ اللَّغْوُ: فهي الحَلِفُ عن غَيْرِ قَصْدِ اليَمِينِ (2) كَأَنْ يَقُولَ المَرْءُ:"واللهِ لَتَأكُلَنَّ أو لَتَشْرَبَنَّ؛ أو نَحْوَ ذلك، ولا يَقْصِدُ بِهَا قَسَمًَا"، أو بِعِبَارِةٍ أُخْرَى: هِيَ مَا يَجْرِي على اللِّسَانِ دُونَ إِرَادَةِ القَسَمِ، وإليه ذَهَبَ الشَّافِعِيَّة ومن وَافَقَهُم. وقال مالك وأَبُو حَنِيْفَةَ والليث والْأَوْزَاعِيّ:"لَغْوُ اليَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ على شَيْءٍ يَظُنُّ صِدْقَهُ، فَيَظْهَرُ خِلافَهُ، فهو من بَابِ الخطأ". وعن أحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالمَذْهَبَيْنِ. وحُكْمُ يَمِينِ اللَّغْوِ أنَّه لا إثْم فيها ولا كَفَّارَة عليها.