أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ صَاحبُ النَّخيلِ لغيره: اكْفِنِي مُؤنَة النّخْل، والمؤنة هِيَ الْعَمَل فِيهِ - من السَّقْي وَالْقِيَام عَلَيْهِ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ - وتُشْرِكَني فِي الثَّمَرِ؛ أَيْ الثَّمَرِ الَّذِي يُحَصَّلُ من النّخْلِ. وَهَذِه صُورَةُ الْمُسَاقَاةِ، وَهِي جَائِزَةٌ. قَوْله"أَو غَيْره"أَيْ أَو غَيْر النّخْلِ مِثْل الْكَرْمِ يكون لَهُ وَيَقُول لغيره: اكْفِنِي مُؤنَة هَذَا الْكَرم وتشركني فِي الْعِنَب الَّذِي يحصل مِنْهُ، وَهَذَا أَيْضا جَائِز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
770 -عنْ أَبِي هُرَيرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"قَالَتِ الأَنْصَار للنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: «لاَ» فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَئُونَةَ، وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
770 -الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا النَّسَائِيّ.
معنى الحديث: أَنَّ الأَنْصَارَ كانوا يَمْلِكُونَ البَسَاتِينَ التي فِي المدينة فَلَمَّا هاجر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليها عرضوا عليه أَنْ يقسم النَّخِيل التي يَمْلِكُونَهَا بينهم وبين المهاجرين. فقالوا: يا رسول الله! هذه نخيلنا بين يديك، اقسمها بيننا وبين إخواننا من المهاجرين، فأبى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يفعلَ ذلك. فاقترحوا شيئًا آخر"فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَئُونَةَ، وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا"أيْ فقالوا: مَا دَامَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوافِقْ على مُشَارَكَتِكُم لنا فِي هذه النَّخِيل، فإنَّا نعرض عليكم مُشَارَكَتِكُم لنا فِي ثِمَارِهَا مقابل أنْ تَكْفُونَا مئُونتها، وتقوموا بسقيها وخدمتها، وكل ما تحتاج إليه، فتكون منَّا النَّخِيل ومنكم العمل فيها، ونشترك معًا فِي ثَمَرَتِها، فَوَافَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك، وقال المهاجرون: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. وهكذا تَمَّتْ بينهم هذه المعاملة التي تعرف عند الفُقَهَاء بالمُسَاقَاةِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: مَشْرُوعِيَّةُ"المُسَاقَاةِ"لقول الأَنْصَار:"تَكْفُونَا المَئُونَةَ، وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ". قال فِي"تيسير العلام":"المساقاة: هِيَ شَرْعًَا: دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ من ثَمَرَهِ. قال: والمُسَاقَاةُ والمُزَارَعَةُ من عقود المشاركات التي مبناها العدل بين الشَّرِيكَيْنِ فإنَّ صَاحِبَ الشَّجَرِ والأَرْضِ كصاحب النقود التي يدفعها للمضارب فِي التِّجَارَةِ، فالغُنْمِ بينهما، والغُرْمِ عليهما، وبِهذا يُعْلَمُ أنّهَا أبعد عن الغررِ والجهالة من الإِجارة. وأقرب إلى القياس والعدل"اهـ (1) . وقال فِي"الْمُغْنِي":"قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالْكَرْمِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ، يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ. هَذَا قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ دَاوُد: لَا يَجُوزُ إلَّا فِي النَّخِيلِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ بِهَا فِيهِ."