قال الحافظ:"وَالتَّعْبِيرُ خَاصٌّ بِتَفْسِيرِ الرُّؤْيَا وَهُوَ الْعُبُورُ مِنْ ظَاهِرِهَا إِلَى بَاطِنِهَا وَقِيلَ النَّظَرُ فِي الشَّيْءِ فَيَعْتَبِرُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ حَتَّى يَحْصُلَ عَلَى فَهْمِهِ حَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الرَّاغِبُ وَقَالَ:"أَصْلُهُ مِنَ الْعَبْرِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ؛ وَهُوَ التَّجَاوُزُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ". وَيُقَالُ عَبَرْتُ الرُّؤْيَا بِالتَّخْفِيفِ إِذَا فَسَّرْتُهَا وَعَبَّرْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ"اهـ (1) .
وقَدْ اسْتَطَاعَ عُلَمَاءُ المُسْلِمِينَ من خِلالِ ما قَصَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ علينا فِي القُرْآنِ من رؤى وتفسيرها كرُؤْيَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومن خلال الرُّؤى التي رآها رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفَسَّرَها، ورآها أصحابه، وفَسَّرَهَا لهم، ومن خلال القواعد المُسْتَنْبَطَةِ والاسْتِقْرَاءاتِ الوَاسِعَةِ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إلى تَفْسِيرِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ، والتَّمييز بينها وبين غيرها من الرُّؤى الشَّيْطَانيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ، وأَنْ يعرفوا ماذا تعني رُمُوز الرُّؤى الرَّبَّانِيَّةِ، لأَنَّ الغَالِبَ فِي الرُّؤى أَنْ تَكُونَ رَمْزِيَّةً، كما نرى ذلك وَاضِحًَا فِي رُؤْيَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّعبير خاص بالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ الصَّحِيْحَةِ، وليس كل ما يراه الإنسان يكون صحيحًا، وإِنَّمَا الصَّحيح ما كان من الله تعالى.
وقد يكون ظَاهِرُهَا مُخِيفًَا وبَاطِنُها مُبَشِّرًَا. ولهذا كان التَّأوِيلُ الخَاطِئُ (2) فِي غايةِ الخُطُوْرَةِ حتَّى قالوا:"إنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا فِي كَثِيرٍ من الأحْوَالِ يُشْبِهُ الفَتْوَى، ولِكُلِّ رُؤْيَا مَفَاتِيحهَا وقَدْ يكون مِفْتَاحُها فِي اسْمٍ أو إشَارةٍ خَفِيَّةٍ". ولَمَّا كانت الرُّؤْيَا تَغْلِبُ عليها الرَّمْزِيَّةِ، فإِنَّ المُعَبِّرَ قَدْ يُخْطِئُ فِي تَفْسِيرِهَا كَثِيرًا، ولذلك كان التَّعْبِيرُ ظَنِّيًِّا لا قَطْعِيًَّا، ولهذا قَالَ تَعَالَى على لِسَانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا) . أمَّا أنْوَاعُ الرُّؤْيَا فَقَدْ تَحَدَّثْنَا عنها فِي مواضع كثيرة: منها"بَابُ كيف كان بِدْءُ الْوَحْيّ"عند أوَّل حديثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حيث قالت:"أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ"اهـ (3) .
(1) قال الحافظ: (وَخَصُّوا تَجَاوُزَ الْمَاءِ بِسِبَاحَةٍ أَوْ فِي سَفِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا بِلَفْظِ الْعُبُورِ بِضَمَّتَيْنِ. وَعَبَرَ الْقَوْمُ:"إِذَا مَاتُوا كَأَنَّهُمْ جَازُوا الْقَنْطَرَةَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة". قَالَ:"وَالِاعْتِبَارُ وَالْعِبْرَةُ الْحَالَةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا مِنْ معرفَة الْمشَاهد إِلَى مَا لَيْسَ بِمُشَاهَدٍ". وَأَمَّا الرُّؤْيَا: فَهِيَ مَا يَرَاهُ الشَّخْصُ فِي مَنَامِهِ وَهِيَ بِوَزْنِ فُعْلَى، وَقَدْ تُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ:"هِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ كَالْيُسْرَى، فَلَمَّا جُعِلَتِ اسْمًا لِمَا يَتَخَيَّلُهُ النَّائِمُ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ") اهـ."فتح الباري": (قَوْلُهُ بَابٌ بِالتَّنْوِينِ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ) ج 12 ص 352.
(2) "أوجز المسالك"ج 15. وقال القرطبي:"وَالتَّأْوِيلُ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِكَ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عَلَى كَذَا. وَيَكُونُ بِمَعْنَى ما يؤول الْأَمْرُ إِلَيْهِ. وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى كذا يؤول إِلَيْهِ، أَيْ صَارَ. وَأَوَّلْتُهُ تَأْوِيلًا أَيْ صَيَّرْتُهُ. وَقَدْ حَدَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: هُوَ إِبْدَاءُ احْتِمَالٍ فِي اللَّفْظِ مَقْصُودٍ بِدَلِيلٍ خَارِجٍ عَنْهُ"اهـ.